المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٢١
و الثاني ممّا نردّ به عليهم: أن نعارض و نقابل عمومات هذه الآيات على تسليم قولهم في العموم بآيات الإرجاء و عمومها، فانّها تقتضي العفو أيضا، إذ هي من الأدلّة السمعيّة على وقوع العفو و نبيّن أنّه ليس تخصيص عموم آيات العفو بعموم آيات الوعيد بأولى من تخصيص عموم آيات الوعيد بعموم آيات العفو.
و الثالث من الوجوه التي نوردها عليهم متوجّه على من جوّز العفو عقلا و ذهب إلى سقوط العقاب به، و ذلك بأن نقول لهم: إنّكم بأجمعكم تخرجون من عمومات الوعيد التائبين و من يزداد ثواب طاعاتهم على عقاب معاصيهم، و إنّما تخرجون الفريقين من هذه العمومات، لأنّ التوبة من مسقطات العقاب عندكم، و كذلك زيادة الثواب، فأخرجوا منها أيضا المعفوّ عنهم، لأنّ العفو أيضا من مسقطات العقاب عندكم عقلا، و قد زال الخلاف.
فأمّا الوجه الأوّل: في الكلام عليهم، و هو منعهم من التمسّك بعمومات آيات الوعيد، فطريقه أن نطالبهم بتصحيح ما ادّعوه من اختصاص صيغ العموم بالعموم المستغرق، و نقول لهم: لم قلتم ذاك؟ و بم تنكرون على من يخالفكم فيه و يقطع أو يجوّز اشتراك هذه الصيغ و الألفاظ بين العموم المستغرق و بين الخصوص، و قد زعموا أنّ «من» في العقلاء و «ما» فيما لا يعقل و «متى» في الأوقات و «أين» في الأماكن مختصّة بالاستغراق إذا وقعت نكرة في المجازاة أو الاستفهام؟ و كذا ادّعوا في ألفاظ الجموع إذا دخلها لام تعريف الجنس أنّها مختصّة بالاستغراق؟ [١] و لا حاجة بنا إلى منازعتهم في كون لفظ «من» و أخوته مختصّة بالاستغراق في الاستفهام، لأنّ ذلك لو سلّم لهم لا يضرنا فيما نريده في منعهم من التعلّق بعمومات آيات الوعيد من حيث إنّ الاستفهام لا يدخل في خطابه
[١] عبارة «إذا وقعت ... إلى قوله: بالاستغراق» سقط في نسخة (ج).