المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١١٧
جاز لنا أن نقول: بل أراد من ارتضى الشفاعة له، إذ لا بدّ من إضمار فعل يتعلّق به الرضا الذي هو الإرادة. فلا فرق بين أن يضمروا أفعالهم و طاعاتهم و بين أن يضمر الفعل المتعلّق بهم و هو الشفاعة لهم.
و قد قال بعض من تأوّل هذه الآية من أصحابنا: لا يمتنع أن يكون الرضا في الآية راجعا إلى المذنبين و يكون متعلّقا بإيمانهم دون فسقهم، قال: لأنّه غير ممتنع أن يقال: فلان يرتضي فلانا، و إن كان راضيا ببعض أفعاله و ساخط لبعض آخر، الا ترى أن أحدنا قد يقول: أنا أرتضي هذا النجّار و هو يريد في النجارة دون الصياغة و غيرها ممّا لا علم له به و لا يد له فيه، و هذا وجه صحيح أيضا.
و منها: قوله تعالى: «أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ» [١]، قالوا: و هذا صريح في أنّ من حقّت عليه العقوبة لا يعفو تعالى عنه بشفاعته عليه السلام.
و الجواب أن نقول: نحن لا نذهب إلى أنّ من حقّت عليه كلمة العذاب يشفع النبيّ عليه السلام فيه و أنّه ينقذه من النار، لأن من حقّت عليه كلمة العذاب هو الذي جاء الوعيد القاطع على عقابه، و من توعّده اللّه تعالى بالعقاب قطعا، فانّ النبيّ عليه السلام لا يشفع فيه و لا ينقذه من النار. و قد قال تعالى:
«وَ لكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ» [٢].
و منها: قوله تعالى في وصف يوم القيامة: «لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَ لا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَ لا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ» [٣].
و الجواب أن نقول: لا بدّ لنا و لكم من تخصيص هذه الآية، لأنّا و إيّاكم أجمعنا و اتفقنا على أنّ للنبيّ عليه السلام شفاعة مقبولة يوم القيامة و أنّه يجزي
[١] الزمر: ١٩.
[٢] الزمر: ٧١.
[٣] البقرة: ٤٨.