المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤٩
تناف على ما بيّناه فلا فرق بين من ادّعى استحالة اجتماعهما و بين من ادّعى استحالة اجتماع سائر المختلفات و اقتصر على الدعوى.
فإن قالوا: قد علمنا استحالة كوننا مادحين ذامّين لشخص واحد في وقت واحد، فلا يضرّنا أن لا نعلم أنّهما يتضادّان أو لا يتضادّان، لأنّه إذا كان الحكم معلوما ففقد العلم بعلّته، و وجهه لا يقدح فيه و لا يزيله و لا يبطله.
قلنا: قد بيّنا بطلان دعواكم هذه، ثمّ إذا بيّنا أنّه لا محيل هاهنا- لا فيما يرجع إلى الفاعل و لا فيما يرجع إلى المفعول و لا إلى الفعل، مع علمنا بأنّه لو كان محالا لوجب أن يكون له وجه محيل- علمنا أنّه ليس بمحال، و ينكشف بذلك بطلان دعواكم فإن قيل: الشيئان قد يمتنع اجتماعهما و إن لم يكن بينهما تضادّ و تناف كالتأليفين- نعني تأليف الخطّ مستقيما و تأليفه غير مستقيم- و كالعلم، فانّه يمتنع اجتماعه مع ما ينافي الحياة و إن لم يكن ضدّا له.
قلنا: ما يمتنع اجتماعهما لا بدّ من أن يكون بينهما تضاد أو ما يجري مجراه.
و ما ذكر في السؤال فانّه و إن لم يكن للتضادّ فهو لما يجري مجراه و أمّا التأليفان فلحاجتهما إلى المجاورات المتضادّة استحال اجتماعهما و ذلك جار مجرى التضادّ.
و كذلك ما ينفي الحياة إنّما لم يصحّ اجتماعه مع العلم من حيث إنّ العلم يحتاج إلى الحياة. فما ينفي الحياة يجري مجرى الضدّ لما يحتاج إلى الحياة و لم يثبت في المدح و الذمّ شيء ممّا ذكرناه.
فإن قالوا: إنّما امتنع اجتماع المدح و الذمّ و التعظيم و الاستخفاف، لا للتضادّ أو ما يجري مجراه، بل لما يعود و يرجع إلى الدواعي و الصوارف، لأنّ من المعلوم أنّ ما يدعو إلى إعظام شخص و إكرامه يصرف عن الاستخفاف به و إهانته كما علمنا ان العلم بتضاد الفعلين يصرف عن إرادتهما و إن لم تكن إرادتاهما متضادّتين و لا جاريتين مجرى المتضادّتين.
قلنا: غير مسلم أن ما يدعو إلى تعظيم شخص يصرف عن الاستخفاف به.