المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٥٦
استقرار الحقّ، و الموضع الذي ذكرتموه لا يصحّ فيه الاستيفاء من غير عارض، بل لأنّ الحقّ لم يستقرّ في نفسه.
قلنا: المقصود ممّا أوردناه أن نبيّن أنّ إطلاق القول بأنّ صحّة الإسقاط تابعة لصحّة الاستيفاء باطل و لو قلتم بدلا ممّا ذكرتموه أنّ إسقاط الحقّ الذي لم يثبت لساعدناكم على ذلك، و قلنا معكم ما سبق من أنّا لا نجعل العفو المتقدّم أو المقارن مسقطا، بل نجعله مانعا على ما شرحناه.
فأمّا إبطالهم العفو بعد المعصية بإقامة الحدود على وجه العقوبة على مرتكبي الكبائر التي عينوها من السرقة و الزنا فباطل أيضا، لأنّا لا نسلّم لهم أنّ الأمر بالحدود على وجه العقوبة يتناول إلّا من علم كونه مستحقّا للعقوبة، و لم يجوّز العفو عنه كالكفّار، أو من أعلم اللّه نبيّه أو نائبه بواسطة أنّه تعالى لم يعف عنه.
فأمّا من شككنا في حاله فأنّما يقام عليه الحدّ امتحانا، كما أنّ من لم يعلم إصراره و شك في توبته يقام عليه الحدّ كذلك. و كذلك القول في المشهود عليه بالسرقة، فانّما يقام عليه الحدّ أيضا امتحانا، فادعاء الإجماع في ذلك باطل، لأنّ المرجئة بأجمعها تخالف فيه و تقول: إنّ من يجوز العفو عنه، و لا يقطع على ثبوت استحقاقه للعقاب، لا يقطع جزاء و نكالا و عقوبة. و من قال منهم بالإحباط منع من هذا من وجه آخر، لأنّه يجوز أن يكون ثواب الإيمان قد أحبط عقاب الفسق، فلا سبيل إلى القطع على استحقاق السارق العقاب و منهم من يزيد على ذلك من الكرامية و غلاة المرجئة و يقول: لا يثبت مع الإيمان عقاب أصلا و البتة، و هم بأجمعهم يقولون: لا يقطع على سبيل العقوبة و النكال في الحقيقة إلّا الكفّار، من حيث قطعنا على أنّ عقابهم لا يسقط، فأمّا فساق أهل الصلاة فانّه لا يصحّ ذلك فيهم لتجويزنا أن يكون اللّه تعالى قد عفا عنهم، فكيف يدّعي الإجماع على ما قالوه؟.