المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٩٠
قلنا: إنّما قدّم النبيّ عليه السلام من قدّم على المذكورين في أمر الحرب و مقاومة العدو، و قد كانوا أفضل ممّن قدّمهم عليهم في ذلك، فانّ خديعة عمر و بن العاص و مكره غير خاف، و قد قال عليه السلام: الحرب خدعة [١] و كذلك شجاعة خالد ظاهرة، فليس في شيء من ذلك تقديم المفضول على الفاضل فيما هو أفضل منه فيه، و لعلّ زيدا كان أفضل من جعفر في أمر الحرب على أنّه روى أنّ جعفرا كان المقدّم و المرجوع إليه أوّلا، ثمّ لمّا حدث به ما حدث و طار إلى الجنّة على ما وردت به الرواية تقدّم زيد.
[اشتراط كونه الأعلم بأحكام الشرعية]
فأمّا الذي يدلّ على كونه أعلم بأحكام الشرع من جميع الرعيّة و كونه أشجعهم و أقوى من كلّ واحد منهم و هما الوصفان اللذان يجب كونه عليهما باعتبار الشرع فهو ما قد ثبت من ورود التعبد بشرع نبيّنا عليه السلام، و أنّ ما تعبّدنا به في شرعه الجهاد و محاربة الكفّار و الذب عن بيضة الإسلام و تجييش الجيوش لحفظ الثغور، و أنّ الإمام إمام في جميع ذلك مقدّم فيه مقتدى به في قليله و كثيرة، و إذا كان كذلك وجب اتصافه بما ذكرناه من الصفات، لقبح تقديم المفضول على الفاضل، كما سبق بيانه، و يدلّ على وجوب كونه عالما بجميع أحكام الشرع ما قد ثبت أنّه إمام في جميعه متولّ للحكم في دقيقه و جليله و طمّه و دقّه [٢]، فلو لم يكن عالما بجميع ذلك لقبح توليته ذلك، إذ من المعلوم للعقلاء كلّهم قبح توليته الأمر من لا يعلمه أو لا يعلم أكثره و إن كان له طريق إلى تعلّمه، من حيث إنّ الملحوظ المراعى عندهم كونه عالما بما وليه، و لا التفات للعقل إلى إمكان تعلّمه في خروج تلك التولية من القبح، يبيّن ما ذكرناه و يوضحه أنّ بعض الملوك لو أراد أن يولّي بعض الناس الوزارة و يجعل
[١] صحيح البخاري: ج ٤ ص ٧٦ كتاب الجهاد باب ١٠٦ الحرب خدعة.
[٢] ج: رقّه.