المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٧
و لا يجوز أن يكون عوضا، لأنّ العوض لا يقارنه التعظيم و التبجيل، و من حقّ ما يستحقّ على الطاعة أن يقارنه التعظيم. و أيضا فمن شأن العوض أن يستحقّ بفعل من استحقّ عليه العوض. و الطاعات ليست من فعل اللّه تعالى، بل هي من فعلنا، فلا يجوز أن يستحقّ بها عوضا. و إذا كان اللّه تعالى هو الذي جعل الطاعات شاقة علينا و كلّفناها وجب أن يستحقّ عليه الثواب، لا على غيره.
فإن قيل: لم يجوز أن يحسن منه تعالى تكليف العبد ما ذكرتم، لا تعريضا للثواب، بل شكرا على ما أنعم به عليه على ما يحكى عن أبي القاسم. و لهذا قال: إنّ الثواب تفضّل منه تعالى؟.
قلنا: لا يحسن من المنعم أن يكلّف المنعم عليه المشاقّ، لأجل نعمه عليه فحسب. ألا ترى أنّه لا يحسن من الواحد منّا أن يستعمل من أنعم عليه في الأعمال [١] الشاقّة، بل لو كلّفه أن يشكره على نعمه، لذمّه العقلاء و لقالوا: إنّه ما أنعم عليه حيث ألزمه أن يشكره، لأنّه يتبيّن بإلزامه إيّاه بشكره أنّه إنمّا نفعه ليشكره عليه، فلم يكن غرضه الإحسان إليه، و بذلك يبطل كونه منعما.
و هذا بخلاف تكليف اللّه تعالى إيّانا شكره، و ذلك لأنّ غرضه تعالى في تكليفنا شكره هو غرضه في تكليفنا غير شكره من الطاعات و هو التعريض للثواب.
فلا يمكن أن يقال: إنّ غرضه فيما فعل بنا من النعم شكره، بل ابتداؤه بالنعم العظيمة من جهته شرط أو وجه في حسن تكليفه تعالى إيّانا عبادته و شكره، إذ لو لا تلك النعم ما حسن منه عزّ و جلّ أن يكلّفنا عبادته، لأنّه ما كان يكون لعبادته وجه حسن، على أنّه تعالى قد كلّفنا غير شكره من
[١] م: الأفعال خ ل.