المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٥٥
قلنا: أمّا إسقاط العقاب قبل المعصية و في حالها فغير جائز، لعدم ثبوت استحقاقه في هذين الحالتين، و الإسقاط فرع على ثبوت الحقّ، و لكنّه لا يمتنع أن يكون ما يقع فيه [١] من القول الذي لو وقع بعد ثبوت الحقّ لكان إسقاطه [٢] مهما وقع قبل ثبوته مانعا من ثبوته في الحال التي لو لاه لثبت فيها، كما لو قال أحدنا لغيره: كلّ حقّ استحقّه عليك مستقبلا فقد أسقطته عنك و وهبته لك، لكان هذا القول مانعا من أن يثبت له عليه حقّ في المستقبل، و يجري ما ذكرناه في المنع من ثبوت الحقّ مجرى ما يقوله خصومنا في التحابط بين الثواب و العقاب، لأنّهم يقولون: إنّ من معه من الطاعات ما يستحقّ عليه الثواب الكثير، إذا أقدم على معصية صغيرة، منع ما معه من الثواب الكثير من ثبوت استحقاق العقاب على صغيرته، و كذا مرتكب الكبيرة، إذا فعل طاعة، فإن عقاب كبيرته يمنع من استحقاق الثواب على طاعته، فعلى هذا يجوز أن يقال بصحّة إسقاط العقاب قبل المعصية، و في حالتها، و يكون المراد ما ذكرناه من المنع من ثبوت استحقاق العقاب.
و أمّا قولهم على الإطلاق صحّة الإسقاط تابعة لصحّة الاستيفاء باطل بالدين الثابت في ذمّة المعسر، فانّه يصحّ إسقاطه و إن لم يصحّ استيفائه، و كذلك العقاب على الكبيرة يصحّ إسقاطه عقيب الكبيرة، و إن لم يصح استيفاؤها عقيبها.
فإن قالوا: الدين على المعسر يصحّ استيفاؤه بتقدير إن يكون موسرا و بسبب إعساره لا يخرج الدين من أن يكون حقا ثابتا في ذمّته، و العقاب على الكبيرة استحقاقه ثابت عقيبها، و انّما لم يصحّ استيفاؤه لعارض عرض و لا يخرج الحقّ من أن يكون ثابتا مستقرا، بأن يعرض ما يمنع من استيفائه، لأنّ ذلك لا يمنع من
[١] «فيه»: ليس في (ج).
[٢] م: اسقاطا.