المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٧٥
قلنا: قد دلّ السمع على أنّه [١] تعالى يسقط عقاب الكافر عند ما يؤمن و إن كان سقوط عقابه عندنا تفضّلا منه تعالى، فلا يثبت له مع إيمانه و استحقاقه الثواب به شيء آخر من استحقاق العقاب و الذمّ و مثل هذا لا يمكن فيمن يقدّر كافرا بعد إيمانه، فبان الفصل بين الإيمان بعد الكفر و بين الكفر بعد الإيمان.
فإن قيل: كيف يصحّ ما ذكرتموه و قد نرى كثيرا ممّن كان مؤمنا يكفر و ربما بقي على الكفر إلى أن يموت؟ و هل هذا إلّا دفع العيان و القرآن أيضا؟ إذ في القرآن قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا» [٢].
قلنا: أمّا القول بأنّ هذا دفع للعيان فظاهر البطلان، من حيث إنّ الإيمان و الكفر ليسا ممّا يدرك بالمشاهدة و العيان، فمن نعلم منه الكفر بعد إظهاره الإيمان، فوقوع الكفر منه يدلّنا على أنّه كان منافقا، و أنّ ما أظهره من الإيمان لم يكن له حقيقة في باطنه و عند اللّه تعالى، و غير بعيد إظهار الإيمان ممّن لا يبطنه.
فأمّا قولهم: إنّ ما ذكرناه و ذهبنا إليه دفع للقرآن في قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا»، فالجواب عنه أنّه تعالى إنّما عنى بذلك من أظهر الإيمان، لا من كان مؤمنا في التحقيق عند اللّه تعالى و سمّاهم مؤمنين، و قال فيهم: «آمَنُوا»، كما قال تعالى: «فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ» [٣]، و كما قال تعالى: «فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ» [٤]، و من المعلوم الذي لا شبهة فيه أنّه لم يعن بما قاله في الآيتين الإيمان الحقيقيّ، إذ الإيمان الحقيقيّ غير معتبر في ذلك.
فإن قيل: كيف تستدلون بالإجماع على أنّه يستحقّ بالإيمان الثواب الدائم، و في الناس من يقول بأنّه لا يستحقّ على اللّه تعالى شيء أصلا و البتة، و أنّ الثواب تفضّل، و فيهم من يجعل الموافاة بالإيمان شرطا في استحقاق الثواب به،
[١] م: أنّ اللّه.
[٢] النساء: ١٣٧.
[٣] الممتحنة: ١٠.
[٤] النساء: ٩٢.