المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٩٢
فيجب الإنجاز تحرّزا من القبيح الذي هو خلف الوعد؟ فمع تقرّر ما ذكرنا لا يمكنكم الامتناع من القول بوجوب سقوط العقاب عند التوبة و ادّعاء أنّه تفضّل منه تعالى. بلى يمكنكم أن تقولوا: لو لا وعده السابق لما كان واجبا، فأمّا إنكار وجوبه مع سبق وعده به فممّا لا يمكن.
قلنا: الوعد بما يكون تفضّلا في نفسه لا يجعله واجبا، و لا يصير وجها في وجوبه. و بيانه أنّه لو كان الوعد بالتفضّل وجها موجبا للتفضّل لوجب أن يكون كذلك في وعدنا من حيث إنّ وجه الوجوب إذا حصل في الفعل اقتضى وجوبه، و لا يختلف باختلاف الفاعلين. فكان يجب في أحدنا إذا وعد غيره بأن يعطيه غدا عشرة دنانير مثلا، أن يلزمه و يجب عليه إعطاؤه العشرة الدنانير التي وعده بها في الغد، و معلوم خلاف ذلك، و أنّه لا يلزمه الوفاء بما وعده به وجوبا.
فإن قيل: إذا لم يجب إنجاز الوعد، فأجيزوا أن يعاقب تعالى التائب من المعاصي بالشروط المعتبرة في التوبة، إذ عقابه بعد التوبة ليس قبيحا على ما ذكرتم و إن سبق وعده بالعفو عنه.
قلنا: لا نجيز ذلك، و نتق بأنّه تعالى لا يعاقبه، لا من حيث إنّ عقابه قبيح، أو إنّ إنجاز الوعد واجب، بل من حيث إنّه لو عاقبه لكشف ذلك عن أنّ وعده السابق كان كذبا. و هو تعالى منزّه عن الكذب و عن جميع القبائح. و قد نبّهنا على هذه الجملة فيما سلف من هذا الكتاب، حيث تكلمنا في اقتداره تعالى على القبيح.
فإن قيل: كيف قولكم في أحدنا اذا أخلف وعده و لم ينجزه، أ تقولون فيه مثل قولكم فيه تعالى، و أنّ خلف وعده يكشف عن كذبه في وعده، أم تفرقون بين الشاهد و الغائب في ذلك؟.
قلنا: نفرق بينهما، و ذلك لأنّ أحدنا إذا وعد غيره بشيء لم يخل من أحد أمرين: إمّا أن يخبره عن وقوع ما وعده به جزما، أو يخبره عن عزمه على ذلك.