المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٥٢
فإن قالوا: لو حملنا الآية على ما قلتم لم تكن فيها فائدة، لأنّه لا فائدة في أن يقول تعالى: من لم يتب و لم يزد ثوابه على عقابه و لم أعفه عنه فإنّي أعاقبه، لأنّ ذلك معلوم ضرورة إليه يقود [١] إليه ضرورة القسمة العقلية، لأنّ كل من لم يسقط عقابه بأحد مسقطات العقاب لا بدّ أن يكون معاقبا.
قلنا لهم: و لم قلتم إنّه إذا لم يفد إلّا ما في العقل، كان وجوده كعدمه؟
أ ليس في القرآن الآيات الدالّة على التوحيد و العدل و نفي القبائح عن اللّه تعالى؟ و جميع ذلك معلوم بأدلّة العقول، فيلزمكم أن لا يكون لتلك الآيات فائدة، و أن يكون وجودها كعدمها!
فإن قالوا: جميع تلك الآيات لها فوائد، و إن كانت مطابقة لما في العقل، و الكلام لا يخرج من باب الحسن و الفائدة بأن تكون فائدته معلومة بغيره بعد أن تكون تلك الفائدة معلومة بالدليل، و ما افادته الآيات التي ذكرتموها معلوم بدليل العقل، فلا يمتنع أن يرد السمع و الآيات مؤكدة له، و ليس كذلك ما اشترطتموه في آيات الوعيد، لأنّها باعتبار اشتراطكم لا يفيد إلّا ما هو معلوم بضرورة العقل، إذ معلوم بضرورات العقل أنّ من لم يسقط عقابه بشيء من مسقطات العقاب فهو معاقب لتردّد هما بين النفي و الإثبات، و لو جاز أن يقول تعالى ذلك، لجاز أن يقول: من لم يكن من الأجسام في المكان الفلاني فهو في غيره من الأماكن.
قلنا: ليس الأمر كما قلتم، لأنّه يمكن أن لا يسقط عقابه بأحد مسقطات العقاب و لا يستوفي منه، بل يكون باقيا في ذمته، و إذا كان ذلك جائزا فقد صارت آيات الوعيد مفيدة لاستيفاء العقاب متى لم يسقط بأحد الامور الثلاثة، على أنّا لو سلّمنا ما قالوه من أنّه لا يبقى في الآيات فائدة، فالفائدة تحصل بتقدير
[١] م: تعود.