المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٦٧
أحوال كثيرة تقتضي مدحه، ككمال العقل و جودة الرأي و وفور الحلم و شرف النسب، فانّ مدحه على هذه الامور و إن كثرت لا يمنع من ذمّه على خلق واحد مذموم يكون فيه كالعجلة و سرعة الغضب، بل يحسن من كلّ أحد ذكر ما فيه من الفضائل و خصال المدح على سبيل التعظيم و إن اتبع ذلك بذكر ما فيه من الخصلة الذميمة، حتى يقول: لقد فضل اللّه فلانا بكذا و كذا من أخلاقه و أحواله، و لو لا الخصلة الفلانيّة التي قد عابته و شانته لكان كاملا.
و كذا القول فيمن حسن خلق كثير من أعضائه و كان من جملتها عضو واحد غير مستحسن، فانّ أحدنا [١] لا يمتنع من ذمّه بما فيه و إن كان أقل مع مدحه بالأكثر، و لا يجري هذا عند أحد مجرى الذمّ بالإساءة و المدح على الإحسان في الموضع الذي فرضوه و لا فرق بينهما إلّا من الوجه الذي ذكرناه.
فإن قالوا: مدحه بالأخلاق و العقل إنّما لا ينافي ذمّه ببعض ما فيه من الأخلاق، لأنّ ذينك مدحا و ذمّا لا يقترن بهما التعظيم و الاستخفاف، كما ثبت و تقرّر في الشكر على الإحسان و الذمّ على الاساءة، و كذا القول في المدح ببعض الأعضاء و الذمّ بالبعض.
قلنا: إن أمكنكم ادّعاء تعرّي المدح و الذم بالأعضاء و كونها مستحسنة و غير مستحسنة من التعظيم و الاستخفاف، فانّه لا يمكنكم ادّعاء مثله في المدح بالأخلاق من العقل و الحزم و الرأي و الذمّ بما يخالف ذلك لأنّ عند شيوخكم أنّ هذا الضرب من المدح و الذمّ إنّما يستحقّ على طريق التعظيم و الاستخفاف، حتّى أنّهم قالوا: إنّ التعظيم إنّما استحقّ بذلك من حيث أثّر فيما يرجع إلى اختياره من الأفعال و كذا الاستخفاف إنّما استحقّ بما يقابله من الخصال من حيث أثّر فيما يرجع إلى اختياره من الأفعال [٢] القبيحة و إذا صحّ هذا و لم يبطل
[١] م: أحدا.
[٢] قوله: «و كذا الاستخفاف ... إلى قوله: من الأفعال» سقط في (ج).