المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٦٩
يهاجروا، و قال تعالى: «وَ مَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ» [١]، فاشترط مع الإيمان عمل الصالحات، و هذا يدلّ على أنّه يكون مؤمنا و إن لم يعمل الصالحات، و قال تعالى: «وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى، فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ» [٢] إلى قوله: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ» [٣]، فسمّاهم في حال البغي مؤمنين و اخوة لهم، و قال تعالى: «كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ* يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ» [٤]، فسمّاهم مؤمنين مع كراهتهم الحق و الجدال فيه بعد وضوحه و المعتمد في الردّ على أهل الوعيد ما قدّمناه أوّلا.
و أستدل أهل الوعيد على صحّة مذهبهم بأن قالوا: لو لم يكن قولنا «مؤمن» منقولا عمّا وضع له في اللغة و كان على حاله، لما صح أن يسمّى المكلّف به بعد تقضي الفعل الذي اشتقّ منه مقيّدا بالحال، فلا يقال: هو مؤمن اليوم، كما لا يقال: هو ضارب اليوم لمن ضرب أمس لمّا لم يوجد منه الضرب اليوم.
و الجواب أن نقول: إنّما أجرى على المؤمنين هذه اللفظة مضافة الى الحال لأنّه يفعل الإيمان الذي هو التصديق في الحال، لأن التصديق بالقلب هو المعرفة، و هي لا تبقى، فهو يجدّدها حالا بعد حال، فلم يخرج عن موجب اللغة.
فإن قيل: فيجب أن لا يسمّى مؤمنا في حال نومه لأنّه لا يجدّد المعرفة في حال النوم.
قلنا: إنّما يسمّى إيمانا لإيمانه السابق في حال اليقظة، و لا يمكن أن يقال:
[١] طه: ٧٥.
[٢] الحجرات: ٩.
[٣] الحجرات: ١٠.
[٤] الأنفال: ٥- ٦.