المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٩٥
من الأحكام، إذ غير ممتنع أن يكون عالما بمضمون الحديث و شاكّا متوقّفا في صدق الراوي و أنّه هل سمع من الرسول ذلك، فاستحلفه ليعلم صدقه في ادّعائه أنّه سمعه من الرسول عليه السلام أو يغلب في ظنّه ذلك، ثمّ و من الجائز انّه كان ذلك في حياة رسول اللّه و أن لا يكون في تلك الحال عالما بجميع الأحكام.
فإن قيل: فأيّ فائدة في الاستحلاف؟.
قلنا: فائدته الردع و الزجر عن الافتراء و التخرّص على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من حيث إنّه قد يتوقّى الإنسان الكذب خوفا من الاستحلاف، و لا يتوقّاه مع ثقته بأنّه لا يستحلف، فليس لأحد أن يقول: من جاز أن يكذب جاز أن يحلف كاذبا، لما بيّناه من أنّه قد يتحرّز المرء من بعض القبائح و إن لم يتحرّز من قبيح آخر، على أن هذا يقتضي أن يكون شرّع استحلاف المنكر عند عدم البيّنة عبثا لا فائدة فيه.
فإن قيل: يلزمكم أن يكون الإمام عالما بالبواطن و صدق الشهود، ليجري الحكم على مستحقّه.
قلنا: الإمام متعبّد بتنفيذ الأحكام في الظاهر، و لا حكم له في البواطن، فلا يلزمنا ما ذكر في السؤال من علمه بالبواطن.
و ممّا يدل على أنّ الإمام يجب كونه عالما بجميع أحكام الدين ما دللنا عليه من كونه حافظا للشرع، فلو جوّزنا أن لا يعلم بعض الأحكام لم نؤمن فيما لم يعلمه أن تتفق الامّة على الإعراض عنه أو كتمانه، لجواز ذلك عليها، على ما بيّناه من قبل، فلا نثق بوصول جميع الشرع إلينا، و هذا يقدح في كونه حافظا للشرع.
و بعد فأن في تجويز ان لا يكون عالما ببعض الاحكام ما يوجب التنفير عن قبول قوله، و ذلك ممّا ينزّه عنه، و لا يجب أن يكون أحسن الناس صورة، و إنّما يجب أن لا يكون ناقص الخلقة مشين الصورة و على وجه ينفّر عن قبول قوله، هذا هو الكلام في صفات الإمام.