المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٨٥
فأوّليته معناها أنّه كان و لا شيء معه موجود، فكذلك يجب أن يكون معنى آخريته أن يكون و لا شيء معه موجود، غير أنّا علمنا بدليل الإجماع أنّ الجنّة و النار دائمان لا يفنيان، فعلى هذا يجب أن يكون تعالى آخرا و منفردا بالوجود قبل دخول الخلق الجنّة و النار.
و كذا قوله تعالى: «كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ» [١] قالوا: حقيقة الفناء العدم، و إذا كان فناء بعض الجواهر يقتضي فناء الجميع على ما سنبيّنه علمنا أنّ جميع العالم يفنى، و إن كان لفظ «من» في قوله عزّ و جلّ: «كُلُّ مَنْ عَلَيْها» واقعا على العقلاء، و كذا قوله: «كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ» [٢]، و كذا قوله: «وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ» [٣].
و لقائل أن يقول: أمّا الإجماع، فلا شك في أنّه منعقد على فناء العالم و هلاكه، و لكن فناء و هلاكا هما [٤] بمعنى تفرّقه و تشذّبه و بطلان نظامه و خروجه و خروج أجزائه بالتفرّق و التلاشي من الوجه المنتفع به، كما ورد شرحه في التنزيل من طيّ السماء و انفطارها، و تكوير الشمس، و انكدار النجوم و انتشارها، و تسجير البحار، و تسيير الجبال و جعلها كالعهن المنفوش.
فإن أرادوا انعقاد الإجماع على هذا المعنى فهو مسلّم، و لكن لا حجة لهم فيه.
و إن أرادوا عدم الذوات و الأعيان فغير مسلّم انعقاد الإجماع عليه و كيف يصحّ ادعاء الإجماع فيه [٥] مع ظهور الخلاف فيه من خلق كثير.
و أمّا قوله عزّ و جلّ: «هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ» فلا دلالة فيه على ما راموه، لأنّ الأوّل انّما يكون أوّلا بالإضافة إلى شيء، و كذا الآخر يكون آخرا بالإضافة إلى
[١] الرحمن: ٢٦.
[٢] القصص: ٨٨.
[٣] يونس: ٤.
[٤] «هما» ليس في (ج).
[٥] جمله «و كيف ... إلى: فيه» ليس في (ج).