المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٠٧
فوصف الأكل بالدوام، و الدائم هو المستمرّ الذي لا آخر له، و قد قال تعالى:
«كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ» [١]، فلو كانت الجنّة مخلوقة لهلك أكلها، فلا يكون دائما، و ذلك مناف لظاهر التنزيل.
و قد ردّ صاحب الفائق على استدلاله هذا بأن قال: معنى وصف الأكل بالدوام أنّ اللّه تعالى يجدّد أمثالها أبدا، لا أن كل أكل منها يدوم أبدا، إذ لو كان معناه أنّ كلّ أكل منها يدوم لما فنى البعض بأكل أهل الجنّة ايّاها، و إذا كان وصفها بالدوام لا يمنع من هلاكها جاز أن يخلقها تعالى في الدنيا ثمّ يهلكها و يغرقها ثم يعيدها و يديم أمثالها [٢] فردّ بما حكيناه على أبي هاشم في استدلاله بهذا [٣].
و اختار قول أبي علي و استدلّ على صحّة مذهبه بظواهر كثير من القرآن، مثل قوله تعالى: «وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى* عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى* عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى» [٤]، و جنّة المأوى ليس غير دار الثواب، و قوله في الجنة: «أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ» [٥] و في النار: «أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ» [٦] قال: و ليس لأحد أن ينصرف عن ظاهر الآية من غير دلالة، فظاهر قوله: «أُعِدَّتْ» يقتضي أنّ المعدّ موجود لا أنّه سيوجد، قال: و جائز أن يكون المراد بقوله: «أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً» [٧] أنّه تعالى أدخلهم نار جهنّم من بعد الغرق في البحر، و أن يكون المكلّفون مخلوقين
[١] القصص: ٨٨.
[٢] قوله: «جاز أن ... الى قوله: أمثالها» ليس في (ج).
[٣] م: هذا.
[٤] النجم: ١٣- ١٥.
[٥] آل عمران: ١٣٣.
[٦] آل عمران: ١٣١.
[٧] نوح: ٢٥.