المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٣١
الآخر التحذير من الخذلان بقوله: «وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى» [١]، أي نتركه و ما يختار. ثمّ قال: «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ... الآية» [٢] ثمّ عقبه بقوله: «وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً» [٣].
قال: فدلّنا [٤] أوّل الآية في الموضعين و آخرها على ما اخترناه من التأويل، فعلى هذا سقط جميع ما احتجّوا به من الآية علينا [٥]. هذه جملة ما ذكره في تأويل هذه الآية.
فيقال له: أوّلا: تأويلك المغفرة على تأخير العقاب و ترك تعجيله لا على إسقاطه ترك لما يقتضيه ظاهر هذه اللفظة، و عدول عن الحقيقة إلى المجاز، لانّها حقيقة عند أهل الدين و الشرع في إسقاط العقاب لا في تأخيره و هذا هو المفهوم عندهم و المبتدر إلى أفهامهم من هذه اللفظة، و هذا المعنى هو الذي يعنونه بطلبهم المغفرة من اللّه تعالى لأنفسهم و لوالديهم و للمؤمنين في دعواتهم.
و في الجملة لا يخفى على أحد أنّه اذا طرق هذا اللفظ سمع السامع، فانّه لا يسبق إلى قلبه و خاطره إلّا ما ذكرناه من إسقاط العقاب دون تأخيره و ترك تعجيله و القول الموضوع بإزاء تأخير العقاب و ترك تعجيله إنّما هو الحلم لا الغفران و المغفرة، و بإزاء من يفعل ذلك الحليم لا الغفور. فكما لا يفهم من الحلم إسقاط العقاب لا يفهم من المغفرة تأخير العقاب.
فأمّا استشهاده لصحّة تأويله بقوله عزّ و جلّ: «وَ رَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ» [٦] فليس بصحيح، لأنّه غير مسلّم أنّه تعالى عنى بالغفور أنّه لا يعجل بالعذاب، بل من الجائز أن يكون معناه أنّه
[١] النساء: ١١٥.
[٢] النساء: ١١٦.
[٣] النساء: ١١٦.
[٤] ج: فدلّ.
[٥] ليس لدينا كتاب الفائق.
[٦] الكهف: ٥٨.