المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٠٥
حلّها، و في ذلك أيضا مشقّة و عود إلى التكليف.
فإن قيل: الشبهات لا تعترض في الآخرة، لمشاهدة تلك الآيات و الأحوال.
قلنا: مشاهدة تلك الآيات لا تمنع من دخول الشبهة، كما أنّ مشاهدة المعجزات لم يمنع من ذلك في الدنيا.
و لا يجوز أن يكتسبوا المعرفة به تعالى ابتداء، لأنّا إذا رجعنا إلى أنفسنا علمنا أنّه يتعذّر علينا اكتساب المعرفة ابتداء من غير طريق.
فإذا بطلت هذه الأقسام كلّها تبيّن أنّه لا يكون معرفتهم به تعالى كسبا لهم، و تعيّن كونها ضروريّة.
و أمّا بيان أنّهم ملجئون إلى أن يفعلوا القبيح و لا يخلّوا بالواجب، فهو أنّه لا شكّ في أنّهم ليسوا مكلّفين، على ما تقدّم، بيانه، و إذا لم يكونوا مكلّفين وجب أن لا يستكمل فيهم شروط التكليف، لأنّ مع استكمال [١] شروط التكليف لا بدّ من توجّه التكليف و لا يجوز أن يكون اختلال شروط تكليفهم بفقد العقل، لأنّا قد بيّنا أنّه لا بدّ فيهم من كمال العقل، و لا أن يكون بفقد الشهوة و النفرة اللذين هما سبب لحوق المشقّة في الإقدام و الإحجام، لأنّه لا شكّ في حصول الشهوة و النفار فيهم و إلا لم يصحّ ثوابهم و عقابهم، و الشهوة و النفار يتعلّقان بالأجناس و ضروبها بالأعيان، فلم يبق إلّا أن يكون اختلال شروط تكليفهم أنّما هو بفقد تحيّرهم و ارتفاع تردّد دواعيهم.
فإن قيل: هلّا جاز أن يكونوا مضطرين إلى الإقدام و الإحجام مجبرين عليهما.
قلنا: الاضطرار إلى الإقدام و الإحجام ينقص من اللذة و السرور، و تحقّقهما بحسب دواعي الحيّ القادر يكون أبلغ في سروره و لذّته. و بعد فانّ اللّه تعالى
[١] جملة «شروط التكليف لأنّ مع استكمال» سقط في (ج).