المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٩
قالوا: و الدليل على ذلك من جهة العقل هو أنّه تعالى ألزمنا الواجبات و أوجبها علينا على وجه يشقّ علينا مع إمكان تعرّيه [١] من المشقّة، و عرّضنا بالمشقّة للثواب العظيم. و مجرّد النفع لا يكفي في حسن الإيجاب، بل إنّما يحسن الإيجاب إذا كان في الإخلال بالواجب ضرر، فيجب أن يكون على المكلّف ضرر في الاخلال بالواجب.
قالوا: و إنّما قلنا إنّ مجرّد النفع لا يكفي في إيجاب الفعل، لأنّ النافلة لا يحسن إيجابها و إن كان في فعلها ثواب من حيث لم يكن في الإخلال بها ضرر و كذلك المكاسب و التجارات لا يحسن إيجابها لمجرّد النفع، و يحسن ذلك إذا كان في تركها ضرر.
فيقال لهم: ما معنى قولكم: «أوجب اللّه تعالى علينا الواجبات و ألزمناها» فلا بدّ من أن يقولوا: معناه أنّه أعلمنا وجوبها و [٢] أراد منّا فعلها و كره منّا تروكها و لم يرخّص لنا في الإخلال بها. فعند ذلك نقول لهم: إنّما حسن ذلك لأنّها كانت واجبة و كانت فيها وجوه الوجوب، و ذلك كاف في حسن الإيجاب الذي بيّنا معناه، و إنّما لم يحسن إيجاب النافلة و المكاسب، لأنّه ليس لها وجه وجوب، و ليست بواجبة. فأمّا جعل الواجبات الشاقّة [٣] علينا فبازائه التعريض للثواب، و ذلك كاف في حسن جعلها شاقّة.
قالوا: إذا أمكنه تعالى أن لا يجعل هذه الواجبات شاقة علينا: فإذا جعلها شاقّة و ألزمنا فعلها و تحمل المشقّة فيها و كأنّه أوجب علينا فعلين اثنين، أحدهما نفس الفعل الواجب، و الآخر تحمل المشقّة فيه، فثبوت وجه الوجوب في الفعل الواجب إنّما هو وجه في حسن إيجاب نفس الفعل، فتبقى المشقّة بلا وجه
[١] م: تعدّيه.
[٢] م: أو
[٣] م: شاقّة.