المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٣٠
حقّ الكافر و نفيه في الفاسق، بل قيّده بقوله «لمن يشاء»، لأنّه تعالى لمّا قال:
«وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ»، فذكر المفعول له [١] في الجملة الثانية صار تقدير الآية: إنّ اللّه لا يغفر أن يشرك به لمن يشاء و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء، لأنّه لا بدّ له من مفعول ثان، لأنّ «يغفر» لا بدّ له من مفعولين، فذكره تعالى في آخر الآية يدلّ على ذكره في الأوّل.
قال: و إذا صحّ هذا كان المراد بالآية ترجيح حال الكفر في حكمة اللّه تعالى في باب الأخذ بالعقاب المعجل على حال الفسق [٢]. و الأمر كذلك، لا انّ الأغلب في حقّ الكافر الأخذ المعجّل بالعقاب أو الخذلان الظاهر، فإن لم يؤخذ بالعقاب الظاهر لم يسلم من الخذلان الظاهر غالبا، و ليس يفعل مثل ذلك في حقّ الفاسق، و إن كان لا يهمل الفسّاق أيضا من التنبيه بأخذ بعض الفسّاق بالهلاك المعجّل.
قال: و إذا علم ترجيح حال الكفّار على حال الفسّاق فيما ذكرنا صحّ تأويل الآية عليه، و كان أولى من غيره من التأويلات، لدلالة سياق الآية عليه. و سياقها أنّه تعالى ذكر هذه الآية في سورة النساء في موضعين، فقدّم على ذكرها في أحد الموضعين بوعيد أهل الكتاب بالعقاب [٣] المعجّل إن لم يؤمنوا، فقال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا* إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ» [٤] ثمّ عقبه بقوله: «وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً [٥]، و قدّم عليه في الموضع
[١] «له» ليس في (ج).
[٢] ج: الفاسق.
[٣] ج: العقاب.
[٤] النساء: ٤٧- ٤٨.
[٥] النساء: ٤٨.