المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢١٩
في ذلك فإن غلب على ظنّه أن من ينكر عليه بفعل المنكر و يوصل إليه الضرر العظيم لم يجب و لم يحسن أيضا، لأنّه تكون مفسدة، و إن غلب على الظنّ أنّه يترك المنكر لكنّه يوصل إليه تلك المضرّة، فإن كان ما يتركه أيسر ممّا يفعله من إضراره، نحو أن يترك شرب الخمر و يقتله، فانّه لا يجب الانكار و لا يحسن، بل يقبح لكونه مفسدة فأمّا إذا كان ما يتركه أعظم ممّا يفعله، نحو أن يترك كفرا غير أنّه يقتله قال القاضي: إنّ هذا الإنكار قبيح، و قال الشيخ أبو الحسين: إنّه حسن [١]، و اتفق الكلّ على أنّه غير واجب.
و بيان أنّه غير واجب هو أنّه تعالى أباح لنا إظهار كلمة الكفر في حال الإكراه بالتخويف على النفس، فلأن يبيح لنا أن نترك غيرنا يفعله إذا خفنا على أنفسنا أولى و استدلّ القاضي على قبح هذا الإنكار بأن قال: هذا الإنكار مفسدة فيقبح بخلاف ترك إظهار كلمة الكفر، لأنّ فيه إعزاز الدين، و قال أبو الحسين: إنّه لا فرق بينهما إذ في كل واحد منهما إعزاز الدين [٢].
فإن قيل: كيف يكون إظهار كلمة الكفر و ما جرى مجراها [٣]، مباحا مرخّصا فيه؟ و تركه مرغّبا فيه عند الإكراه بالتخويف على النفس مع ظنّ وقوع ما خوّف منه عنده؟ و هل هذا إلّا القول بحسنه مع تجويز كونه مفسدة؟.
قلنا: إذا رغّبنا تعالى فيه علمنا أنّه لا تكون مفسدة، إمّا بأن لا يقع عنده ما يخاف منه، أو بأن يعلم أنّه لا [٤] يقع على كلّ حال و إن أظهرنا كلمة الكفر، فيخرج بذلك من كونه مفسدة.
و اعلم إنّه إن صحّ التفصيل الذي ذكر في هذا الباب، فانّه يصحّ إيراد ما اورد في شروط الوجوب، و إن لم يصحّ هذا التفصيل فانّه لا يصح إيراده في
[١] لا يوجد لدينا كتاب الشيخ ابو الحسين.
[٢] لا يوجد لدينا كتاب الشيخ ابو الحسين.
[٣] ج: مجراه.
[٤] «لا» ليس في (م).