المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢١
لم يدفع إليه ماله، و أوجب عليه ما لم يثبت له وجه وجوب من دون تخويفه، فانّه يكون فاعلا لقبيح، و ذلك لا يجوز عليه تعالى.
و ممّا استدلّوا به أن قالوا: لو لم يكن العقاب مستحقا، لكان القديم تعالى بأن جعل القبيح نافعا لنا عاجلا ملذّا، و الواجب شاقّا علينا متعبا لنا، مغريا بالقبيح و الإخلال بالواجب. و إنّما يخرج من الإغراء، بأن يعلمنا استحقاق العقاب على القبيح و الإخلال بالواجب، لأنّ الذمّ لا يعتبر بمثله، لأنّه ليس بضرر و الثواب متأخّر، فلا يترك له الوصول إلى المنافع العاجلة.
فيقال: لهم: تجويز المكلّف استحقاق العقاب على فعل القبيح و الإخلال بالواجب كاف في زجره و إخراجه من الإغراء على أنّ غاية ما في استدلا لهم هذا أنّه يجب أن يعلمه استحقاق العقاب، و قد أعلمه بالسمع، فمن أين أنّه يجب أن يعلمه بالعقل؟.
فإن قالوا: إذا أعلمه بالسمع، يلزم أن يكون إلى الوقت الذي يمكنه معرفة صحّة السمع و الاستدلال به على استحقاق العقاب خاليا من العلم بذلك، فيكون مغزى بالقبيح و الإخلال بالواجب في ذلك الزمان.
قلنا: فعلى هذا يجب أن يعلمه بضرورة العقل، لا بدليله، و إلّا كان يلزم أن يكون مغريا بالقبيح و الإخلال بالواجب في زمان مهلة النظر، و قبل استدلاله على ذلك، لخلوه عن العلم و الاستدلال باستحقاق العقاب في تلك الأوقات، و معلوم بالاتفاق أنّ استحقاق العقاب لا يعلم ضرورة. فثبت أنّ تجويز استحقاق العقاب كاف في الزجر و الخروج من الإغراء.
فإن قيل: إعلام المكلّف استحقاق العقاب بضرورة العقل يمنع منه التكليف.
قلنا: إن [١] كان الإغراء إنّما يزول بالقطع على استحقاق العقاب و لا يكفي
[١] م: إذا.