المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٢٤
فإن قيل: لو كان الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لصحّ دخوله تحته، لوجب صحّة دخوله في النكرات، لأنّ المستثنى من النكرة يصحّ دخوله فيها.
قلنا: الاستثناء من النكرة ينقسم إلى ما يكون في الموجب و إلى ما يكون في غير الموجب فإن كان في الموجب، فإمّا أن يكون استثناء نكرة من نكرة، أو استثناء معرفة من نكرة فأمّا استثناء النكرة من النكرة في الموجب [١] كقول القائل: جاءني رجال إلّا رجلا، أو إلّا واحدا، فغير جائز، لا بسبب أنّ الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله تحته، بل بسبب أنّ الجهالة تكثر فيه من حيث إنّ المخاطب لا يستفيد منه أنّ الذين جاءوا من كانوا، و لا أنّ الذي لم يجئ من كان، فان عرّف المستثنى بنعت و صفة أو استثنى في الأصل معرفة من نكرة كأن تقول: جاءني رجال إلّا رجلا ظريفا، أو إلّا زيدا، فانّه جائز و أمّا في غير الموجب فاستثناء النكرة و المعرفة من النكرة جائز، كقولك: ما جاءني جماعة إلّا واحدا، و إلّا زيد.
و قد نصّ أبو بكر الرازيّ في كتابه المعروف بالاصول في النحو [٢]، و هو من أئمّة النحو، على معاني ما ذكرناه، فقد قلنا بموجب ما ألزموناه. فبطل بهذه الجملة استدلالهم على أنّ «من» في المجازاة أو ألفاظ الجموع التي ادخل عليها لام تعريف الجنس مختصّة بالعموم، و بذلك يبطل تعلّقهم بعمومات الوعيد التي تمسّكوا بها.
و أمّا الوجه الثاني في الكلام عليهم و هو المعارضة بآيات العفو و الإرجاء، فقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ» [٣]،
[١] قوله «فإن كان ... إلى قوله: في الموجب» سقط في (ج).
[٢] ليس لدينا كتاب الاصول في النحو.
[٣] النساء: ٤٨.