المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٤٨
العام، فيقال له: كأنّك تشير في هذا الكلام إلى أنّ العام ينبغي أن يبنى على الخاصّ.
و الجواب عنه: أنّ الوعيد في هذه الآيات و إن ورد على معاني مخصوصة، فانّ كلّ واحد منها عام في جنسه، فقوله: «وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ» [١] عامّ في جميع المولّين، و قوله: «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً» [٢] عامّ في جميع الآكلين لأموالهم ظلما، و كذا القول في غير هاتين الآيتين، فصار كلّ واحدة من هذه الآيات عامّة من جنس ما تناولته، فعارضت قوله تعالى: «وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ» [٣] من وجه دون وجه، و صار كلّ واحدة من هذه الآيات مع قوله تعالى: «وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ»، كقوله تعالى: «أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ» [٤]، مع قوله: «وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ» [٥] في ثبوت المعارضة بينهما من وجه دون وجه، حتى روي عن الصحابة أنّهم قالوا في الجمع بين الاختين في الوطي بملك اليمين، أحلّتها آية و حرمتها آية، و إذا كان كذلك وجب طلب الترجيح في الأخذ بأحدهما، فاين الوجه الذي يرجّح تأويلك على تأويلنا و اشتراطك على اشتراطنا؟.
فإن قال: قوله تعالى: «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ» كان رجوعا إلى الجواب الأوّل، و قد مضى كلامنا عليه، على أنّه غير مسلّم أنّ قوله تعالى:
«وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ» عامّ مطلقا، لأنّه و إن كان عامّا فيما يغفره فانّه ليس بعامّ فيمن يغفر لهم، لأن قوله: «لِمَنْ يَشاءُ» يقتضي أنّه انّما يغفر لبعضهم لا لجميعهم، فهو من هذا الوجه خاصّ، أي باعتبار اقتضائه المغفرة
[١] الأنفال: ١٦.
[٢] النساء: ١٠.
[٣] النساء: ٤٨، النساء: ١١٦.
[٤] المؤمنون: ٦.
[٥] النساء: ٢٣.