المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٧٤
الكبير الذي يسمّونه فسقا، فتحقّق ما ذكرناه في تأويل الآية، و كأنّه تعالى قال:
بئس الحال حال من يسمّى فاسقا مؤمنا، بعد أن كان يسمّى مؤمنا فحسب، أي استحقاقه للتسميتين بعد استحقاقه اسم المؤمن فحسب.
فإن قيل: إنّه تعالى جعل المسلمين في مقابلة المجرمين بقوله: «أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ» [١] فدلّنا ذلك على أنّ الإجرام لا يقارن الإسلام.
قلنا: هذا الاحتجاج مبنيّ على القول بأن صيغ العموم مختصّة بالعموم المستغرق، و ليست مشتركة بينه و بين الخصوص، و هذا غير مسلّم، فمن أين أنّه تعالى أراد بقوله: «كَالْمُجْرِمِينَ» كلّ مجرم، دون أن يقال انّه عزّ و جلّ أراد به الكفار، لأنّهم من المجرمين؟.
فأمّا قول الحسن البصري بأنّ الفاسق منافق فباطل، لأنّ اسم النفاق يفيد إظهار الشيء و إبطان خلافه، و هو مأخوذ من نافقاء اليربوع الذي هو في بيته الذي يعمل له بابين أحدهما خفيّ و الآخر ظاهر، حتّى إذا قصد أحد صيده من الباب الظاهر خرج من الباب الخفيّ، فسمّي كلّ من أظهر شيئا و أبطن خلافه منافقا، كما أنّ بيت اليربوع يظهر من أمره أنّ له بابا واحدا، و له في الباطن باب آخر، و ما دلّنا دليل على أنّ هذا الاسم منقول عن معناه في اللغة و انّما علمناه بالعرف الشرعيّ أنّه اختصّ من يظهر الإسلام و يبطن الكفر، و نحن لا نعلم أنّ الفاسق يبطن خلاف ما يظهره من الإسلام، فلم يجز أن نصفه بأنّه منافق.
و أمّا استدلال الحسن بأنّ الفاسق يظهر الإقرار بالعقاب و الثواب، و فسقه يدلّ على كونه غير معتقد لهما، لأنّه لو اعتقد هما لما أقدم على ما اعتقد أنّه يستحق به العقاب، فلمّا أقدم على الكبائر علمنا أنّه لا يعتقد ما يظهر الإقرار به، و تمثيله
[١] القلم: ٣٥.