المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣٥٦
و ثالثها: أنّ النبيّ عليه السلام أراد إثبات جميع منازل هارون من موسى لأمير المؤمنين عليه السلام، و لم يرد الخلافة فحسب، و سائر تلك المنازل لم تكن ثابتة ليوشع، و لهذا لم يشبّهه به.
فإن قيل: قوله عليه السلام: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» يقتضي أن تكون المنازل حاصلة من موسى و مستفادة منه، و إلّا صارت هذه الإضافة لغوا ضائعا في البين، و فرض الطاعة لأجل النبوّة غير متعلّق بموسى و لا حاصل [١] من جهته، فلا تجب إضافته إليه.
قلنا: متى حملنا الخبر على أن المراد به الاستخلاف قلنا بموجب ما تضمنه السؤال، لأنّ الخلافة كانت لهارون من موسى و به لم تكن مستفادة من النبوّة، و متى حملناه على أنّ المراد به فرض الطاعة قلنا لا يقتضي هذا القول أن تكون المنازل مستفادة من موسى عليه السلام بل هو جار مجرى قول من يقول:
زيد منّي بمنزلة أبي أو أخي، مع علمنا بأن الابوة و الأخوة ليسا به و لا من جهته في انه يريد ان محل زيد عندي و حاله معي في الإعظام و الإجلال كمحل أبي و كحاله معي.
يوضّح ما ذكرناه أنّ الناس يطلقون مثل ذلك في الجمادات و ما لا يتصوّر حصول سبب من جهته، فيقولون: منزلة دار زيد من دار عمرو منزلة دار بكر من دار خالد، و منزلة يد الإنسان عنده منزلة رجله، و أنّما يريدون بجميع ذلك التشبيه و المقاربة.
يبيّن ما ذكرناه استثناء النبوّة من المنازل مع ما قد علمنا أنّها لم تكن ثابتة لهارون من موسى و بسببه و من جهته، إذ موسى عليه السلام لم يجعل أخاه هارون عليه السلام نبيّا، بل كانت نبوّته من جهة اللّه تعالى، فتحقّق بما
[١] م: حصل.