المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٤٨
الرئاسة و ناب منابه، فكيف تقولون لا بدل للطف الرئاسة؟ و هل الجمع بين قوليكم هذين إلّا مناقضة؟ ثمّ يلزمكم على ما قرّرتموه وجود رؤساء كثيرين في عصر واحد حتى ينتصب في كلّ بلدة بل في كلّ محلّة رئيس، لأنّ كثرة الصلاح و قلّة الفساد بذلك تتمّ، و الرئيس الواحد لا يمكنه التصرّف في جميع الخلق في أقطار العالم.
قلنا: أمّا الجواب عن السؤال فهو أنّا إذا كنا إنّما نكلّم المعتزلة في هذه المسألة، فمن يسأل عن مثل هذا السؤال و يورد جنس هذا المقال يكون ناسيا لاصول المعتزلة معرضا عنها، و ذلك لانّهم يحسّنون الألم إذا كان فيه نفع موقوف عليه، أو دفع ضرر أعظم منه، أو ظنّ أحد الوجهين فيه، او كان مستحقّا، أو كان واقعا على وجه المدافعة، و إذا كان كذلك فكيف يقال: إن الإيلام على طريق القصد لا يحسن عقلا. فعلى هذا يتصوّر ما ذكرناه من تأديب الرئيس الجناة بما يقتضيه رأيه إذا لم يرد الشرع بالمعيّنات من الحدود، و يكون وجه حسن ذلك التأديب و الإيلام حصول النفع الموفي فيه الجاني و لكافة الرعيّة.
ثمّ الذي يقطع دابر هذا السؤال و يستأصل هذا الخيال أن تعيين الرئيس عندنا لا يكون إلّا بالنص أو ما يقوم مقامه على ما سنبيّنه إن شاء اللّه تعالى، فالإمام لا يعلم أنّه إمام إلّا بنص اللّه تعالى عليه، و غيره من الرعية لا يعلمه إماما إلّا بالنص أو ما يقوم مقامه [١]، و إذا كان كذلك فكما ينصّ تعالى عليه ينصّ له على الحدود التي بها يسوس الرعيّة و يؤدبهم و يرشده إليها، و لا نظنّ أنّ هذا يناقض قولنا و مذهبنا في أنّ الرئاسة واجبة عقلا، لانّ مرادنا بذلك أنّا بعقولنا نعلم كون الرئاسة لطفا واجبا و إن لم يدلّ عليها دليل سمعيّ و لا كلّفنا شيئا من الشرعيات، خلافا لما يذهب إليه مخالفونا في الإمامة، فانّهم يستدلّون على
[١] قوله: «على ما سنبيّنه ... الى قوله: مقامه» ليس في (م).