المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٨٧
تعلّق سببه الأخير بالعبد، فلا بدّ من أن تعلّق [١] و تعلّل قدرة العبد و وجوده باللّه جلّ جلاله، و لئن علّق مبطل وجود العبد و قدرته بغيره تعالى من الأفلاك و النفوس و العقول التي يثبتها الضّلال، فانّه لا بدّ من أن يعلل الأخير من تلك الأسباب به تعالى، و بالإنهاء إليه ينقطع التعليل فتحقّق أنّه آخر في الاستدلال و التعليل.
يوضح ما ذكرناه و يقوّيه أنّه إذا كان التأويل ما ذكرناه يستحقّ أن يوصف بأنّه آخر و أوّل في جميع الحالات، و لو كان التأويل ما يقوله أصحاب أبي هاشم لما استحقّ تعالى أن يوصف بأنّه آخر الآن قبل عدم العالم إلّا توسّعا و تجوّزا، و هذا بخلاف ما هو معلوم من دين المسلمين، لأنّ جميعهم يعتقدون أنّ تسميته تعالى و وصفه بأنّه الأوّل و الآخر في جميع الحالات حقيقة و ليس مجازا.
[معنى قوله تعالى كلّ من عليها فان]
و أمّا قوله تعالى: «كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ» فلا يدلّ أيضا على ما قالوه، لأنّه غير مسلّم أن المراد بالفناء العدم، و ما الإنكار من أن يكون المراد به الموت! فانّ الفناء يعبّر به عن الموت في اللغة و هو ظاهر عند أهل اللغة، قال الشاعر:
فقوما إذا ما استل روحي فهيئا
لي السدر و الأكفان عند فنائيا
و قد يستعمل الفناء بمعنى التفرّق و خروج الشيء عن الوجه المنتقع به، يقال:
فنى زاد القوم، و يقال للأمم [٢] الماضية و القرون السالفة: أفناهم الدهر، ثمّ و في الآية دلالة على أنّ المراد بالفناء الموت، لأنّه تعالى جعل «فان» خبرا عن «من» في الآية و ذلك لا يطلق في غير العقلاء من الجمادات و غيرها، و قولهم:
إنّ فناء بعض الأجسام فناء لسائرها لو صحّ لكان انّما يدلّ على ما قالوه لو ثبت أنّ المراد بالفناء في الآية العدم، و ذلك غير ثابت، فوجب حملها على ظاهرها.
و هكذا القول في قوله تعالى: «كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ» لأنّ المراد
[١] م: فلا بدّ له من تعلّق.
[٢] م: في الامم.