المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٤١
الفرق في كفر و إسلام إلّا و قد التجئوا إلى رئيس و سائس فيما بينهم يسوسهم، و يؤدّب جناتهم، و يدفع شرّ الأقوياء المتغلبين عن الضعفاء، ما هذا إلّا لعلمهم بأنّ الصلاح الكلّي منوط بوجود الرئيس، و الفساد بعدمه و على هذا قال القائل:
لا تصلح الناس فوضى لا سراة لهم
و لا سراة إذا جهّالهم سادوا
يهدى الامور بأهل الرأي ما صلحت
فإن تولّت فبالأشرار تنقاد
يزيد ما ذكرنا وضوحا ما عرفناه من أحوال الصدر الأوّل من الصحابة عند وفاة النبيّ عليه الصلاة و السلام و ارتحاله من دار الفناء إلى دار البقاء، و تبادرهم إلى السقيفة، و تسارعهم إلى طلب السائس حتى تركوا بسببه تجهيز النبي عليه السلام و مواراته في روضته أ فترى أنّهم تركوا تجهيزه صلّى اللّه عليه و آله لأمر غير واجب مهم في اعتقادهم، فثبت بهذه الجملة و اتّضح كون الرئاسة لطفا. و قد تقرّر وجوب اللطف، فتجب الرئاسة، و هذا هو الأصل الذي أردنا بيانه.
فإن قيل: كيف تدعون كثرة الصلاح و قلّة الفساد بثبوت الرئاسة، و قد علمنا أنّه عند ما انتصب كثير من الرؤساء انشق عصا الجماعة، و افترقت الألفة، و نبغت البغاة، و ظهرت الفتن، و امتدت الأيدي إلى الظلم، و سفك الدماء، و اغتصاب الأموال، و هتك الحرم و كيف يدفع هذا، و معلوم أن أمير المؤمنين عليه أفضل التحية و السلام لما انتصب الامر، مرقت طائفة و نكثت اخرى و قسط آخرون، فلئن ادّعى مدع أنّ الرئاسة استفساد، مكثرة للفساد مقرّبة منه، مقلّلة للصلاح مبعّدة منه، لكان قد قاومكم و عارضكم في دعواكم ثمّ إذا تجاوزنا عن ذلك، فالصلاح الذي تعلّق بالرئاسة انّما هو انتظام امور الناس في اختلاطهم، و ما يجرى بينهم من المعاملات، و أداء الأمانات، و قضاء الديون، و إطفاء نائرة الفتن، و تسهيل السبل إلى معايشهم بتحصيل أمن الطرق