المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٨٨
بالهلاك انّما هو الموت و خروج الشيء من الوجه المنتفع به، يدلّ عليه قوله تعالى في يوسف: «حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا» [١]، و قوله عزّ و جلّ: «وَ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها» [٢]، و قوله تعالى: «أَ فَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ» [٣]، و قوله سبحانه:
«أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ» [٤]، و قوله تعالى:
«وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها» [٥] إلى غيرها من الآيات التي ذكر فيها الهلاك، فانّ المراد بالهلاك في جميعها الموت.
يبيّن ما ذكرناه أنّ المفسرين ذكروا في تفسير قوله تعالى: «كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ» أنّه لمّا نزل قوله سبحانه: «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ» [٦] قالت الملائكة: أدرك بني آدم الموت، فلمّا نزل قوله تعالى: «كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ» قالت: أدركنا الموت، أمّا قولهم: الهلاك مضاف إلى كلّ شيء فيجب حمله على العدم دون الموت، لأنّ الموت لا يشمل كلّ شيء.
و الجواب عنه: أنّ لفظ «شيء» يراد به الجمل كما يراد به الأفراد، يدلّ عليه قوله تعالى: «إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ» [٧] مع أنّها جملة أشياء لا شيء واحد.
و أما قوله سبحانه و تعالى: «وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ» فالجواب عن تمسّكهم به: أنّ الإعادة متصوّر ممكن بدون [٨] الإعدام، بأن يحي اللّه تعالى الأموات، و بأن يؤلّف و يجمع بين الأجزاء المتفرقة المتشذّبة و يردّها إلى حالة تأليفها على الوجه المنتفع به، و قد ذكر المفسرون أنّ هذا القول يضاهي قوله
[١] غافر: ٣٤.
[٢] القصص: ٥٨.
[٣] طه: ١٢٨.
[٤] يس: ٣١.
[٥] الاسراء: ١٦.
[٦] العنكبوت: ٥٧.
[٧] الحج: ١.
[٨] م: من دون.