المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣١٨
قلنا: الفرق بيننا و بين من ذكرتموه غير خاف لامور:
منها: أنّ الدليل قد دلّ على أنّ من شرط الإمام أن يكون مقطوعا على عصمته، و كونه أكثر ثوابا من كلّ واحد من الرعيّة عند اللّه، و كونه أعلمهم بجميع أحكام الدين على ما بيّناه فيما مضى، و قد أجمعت الامّة على أنّ المذكورين لم يكونا بهذه المنزلة، فلا يجوز وقوع النصّ عليهما.
و منها: أنّ الفريقين قوم شذّاذ، لا يعرفون، و إنّما حكيت مذاهبهم في المقالات على طريق التعجّب، كما حكي أقوال السوفسطائيّة و السمنيّة و أصحاب العناد، و لم ير في زماننا هذا و لا قبله واحد من أهل العلم يدّعي النص بالإمامة على أحد هذين المذكورين، و من اعتقد إمامة أبي بكر فانّما يدّعيه و يعتقده من جهة الاختيار دون النصّ، فلا وجه لمعارضة أقوال أصحابنا على كثرتهم بقول قوم شذّاذ قد انقرضوا و لم يبق لهم وجود.
و منها: أقوال ظهرت من كلّ واحد منهما و من غير هما، تدلّ على بطلان القول بكونهما منصوصا عليهما بالإمامة فمن جملتها قول أبي بكر محتجّا على الأنصار على ما رووه: الأئمة من قريش [١]، فلو كان منصوصا عليه، لكان ذكره ذلك أولى.
فإن قيل: الاحتجاج بما قاله أولى من أن يحتجّ بانه منصوص عليه بالإمامة، لأن في ذلك حسم المادة في كون الإمامة فيمن لا يكون قرشيا و قطع طمع الأنصار عنها بالكليّة و في جميع الأعصار، و ليس في ادّعائه النصّ على نفسه بالإمامة هذه الفائدة.
قلنا: الأمر و إن كان على ما ذكر، ففيه اطماع غيره من قريش في الإمامة،
[١] مسند أحمد بن حنبل: ج ٣ ص ١٢٩، و تاريخ الطبري: ج ٣ ص ٢٠٣، و الكامل لا بن الاثير: ج ٢ ص ٣٢٥.