المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣١٢
لا يجوز في الكذب مثله؟.
قلنا: علم المخبرين بكون ما يقولونه و يخبرون به صدقا يدعوهم إلى قوله و الإخبار به، فيكفيهم ذلك في بعثهم عليه، و ليس كذلك الكذب، فانّ علمهم بكونه كذبا يصرفهم عن قوله فإذا لم يقع منهم اتّفاقا و تبخيتا فلا بدّ من داع يدعوهم إليه و يجمعهم جامع عليه، و ذلك الجامع لا يخلو من الوجوه التي ذكرناها.
فإن قيل: فأبطلوا هذه الوجوه و بيّنوا أنّه لم يثبت في نقل هذا الخبر شيء منها ليتمّ استدلالكم.
قلنا: أمّا وقوع هذا الخبر من هؤلاء الجماهير اتّفاقا و تبخيتا من غير تواطؤ، فالعادة مانعة منه. ألا ترى أنّا نعلم استحالة أن يتّفق لشعراء جماعة كثيرين التوارد في قصيدة واحدة و وزن واحد و معنى واحد و قافية واحدة و رويّ واحد، و كذا يستحيل على جمع عظيم كأهل الرأي أن يتكلّموا بكلام واحد متّفق اللفظ و المعنى اتّفاقا و تبخيتا. و نظير هذا استحالة اجتماعهم على تناول طعام واحد، و التزييّ بزيّ واحد تبخيتا من غير جامع يجمعهم على ذلك، و إذا كانت استحالة هذه الامور ظاهرة من حيث العادة كان اجتماع الشيعة مع كثرتها على نقل النصّ الذي وصفناه اتّفاقا و تبخيتا من غير تواطؤ و جامع في الاستحالة من حيث العادة كهذه الامور.
و أمّا وقوعه تواطئوا باجتماع بعضهم إلى بعض أو بالمكاتبة و المراسلة، فظاهر البطلان أيضا لكثرتهم و تباعد ديارهم، إذ من المستحيل أن يكاتب الشيعة في البلاد المتباعدة بعضهم إلى بعض و يتفقوا على شيء بعينه، و كيف يصح ذلك؟ مع أنّهم في كلّ قطر من الأرض جمعا عظيما، لا يعرفون من في الأقطار إلّا الآحاد منهم، فأمّا الباقون فلا يعرفونهم، و الجماعات الذين هذا حالهم يستحيل فيهم الاجتماع في موضع و المكاتبة و المراسلة أيضا، ثمّ و لو كان ذلك