المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤٦
إن أردتم ما يكون باللسان فمسلّم امتناع ذلك في الحالة الواحدة. و لكنّ امتناعه إنّما هو لشيء يرجع الى الآلة لا إلى استحالته في نفسه. فلو خلق اللّه لأحدنا لسانين لما امتنع أن يذمّ و يستخفّ شخصا معيّنا بأحد اللسانين و يمدحه و يعظمه باللسان الآخر.
يبيّن ما ذكرناه أنّ مدح زيد و تعظيمه بالاتفاق لا ينافي ذمّ عمرو و الاستخفاف به. و مع ذلك فانّه يمتنع الجمع بينهما لما يرجع الى الآلة، فعلمنا أنّ امتناع ذلك أيضا إنّما هو لما يعود إلى الآلة.
يزيد ما ذكرناه وضوحا أنّه لا يمتنع أن يمدح شخصا واحدا بلسانه و يكتب بيده ذمّه في حالة واحدة. و لكن إنّما يحسن ذلك إذا كان الفعلان اللذان يمدحه و يذمّه عليهما مختلفين في كون أحدهما طاعة و الآخر معصية.
و إن أردتم ما يكون في القلب من ذلك فغير مسلّم امتناعه و أنّ الإنسان يجد من نفسه ذلك الامتناع. بل لو قلنا إنّه في كثير من أحواله يجد من نفسه خلاف ذلك لأصبنا، و إن كان يكفينا أن يكون ما تذكرونه غير معلوم و لا يجده كلّ عاقل من نفسه.
ثمّ نقول لهم: قد اعتبرتم شروطا ثلاثة في امتناع الجمع بين المدح و الذمّ و التعظيم و الاستخفاف. و هي أن يكون المادح و الذامّ واحدا، و الممدوح و المذموم كذا واحدا، و الوقت واحدا، فزيدوا فيه شرطا رابعا، و هو أن يكون الفعل الذي يمدح و يذمّ عليه واحدا، فلا تخلّوا بذكر الفعل و هو ممّا لا بدّ منه.
إن قيل: إذا ذكرتم كون الفعل واحدا لم تحتاجوا إلى تلك الشروط، لأنّ من المعلوم عندكم أنّ الذمّ و المدح لا يتعلّقان بفعل واحد، لا من فاعل واحد و لا من اثنين، و لا في حالة واحدة و لا في حالين.
قلنا: الحاجة الى تلك الشروط تثبت و إن ذكرنا كون الفعل واحدا من حيث إنّه لا يمتنع أن يمدحه على فعل معيّن من يعتقده حسنا و يذمّه عليه بعينه