المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٤٧
قال: فبان أنّه لا يجوز أن يشرط في قوله: «وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً» قوله: «لِمَنْ يَشاءُ»، و أنّه ينبغي أن يقرن إلى قوله سبحانه: «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ» [١] جميع ما توعّد اللّه عليه.
فيقال له: قد بينا من قبل تأويل قوله تعالى: «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ» و أنّه يقوّي مذهبنا، و يدلّ على صحّته و لا يدلّ على مذهب الخصم.
أمّا قوله: إن غفر الكبائر من دون اجتناب الكبائر لكان قد كفّر السيئات، مع أنّ المكلّف لم يجتنب الكبائر، و في ذلك بطلان فائدة الشرط، فتمسّك منه بدليل الخطاب، و هو باطل.
فإن قيل: فأيّ فائدة في اشتراط اجتناب الكبائر في تكفير السيئات إذا كان اللّه تعالى يكفّرها و يغفر لمن يكسبها من دون اجتناب الكبائر؟.
قلنا: فائدته حصول القطع على تكفير السيئات عند اجتناب الكبائر، و من دون اجتنابها لا يحصل هذا القطع، بل يثبت التجويز، و هذه فائدة جليلة، و يجرى هذا مجرى قول من يقول: لو دخل زيد [٢] داري لأكرمته، فانّه لا [٣] يقتضي أنّ إكرامه [٤] له مقصود و موقوف على دخول [٥] داره و انما يقتضي القطع على حصول الاكرام عند الدخول، إن كان القائل صادقا، و يثبت تجويز حصول الإكرام من دون الدخول.
قال: و أيضا فأنّ الآيات التي ذكرناها في الوعيد تتناول معاصي خاصّة، فهى أخصّ من قوله: «وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ» و أدخل في النصّ، و تأويل العامّ بالنص الخاصّ أولى من تأويل الخاصّ و إدخال الشرط فيه لأجل
[١] النساء: ٤٨، النساء: ١١٦.
[٢] «زيد»: ليس في (م).
[٣] «لا»: ليس في (ج).
[٤] م: الكرامة.
[٥] م: دخوله.