المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٠٣
من غير كبوة و هفوة، و الكافر يمرّ عليه متزلزلا خائفا، و انّه ينزلق إذا حاذى مكانه في جهنّم، فيقع فيه و ذلك يكون من جنس الثواب و العقاب في حقّ الفريقين، و ذلك بمنزلة اليسر [١] في المحاسبة و المناقشة فيها في حقّهما، و كلّ هذا تجوّز لا يحيله العقول لما لنا فيه من المصلحة، أي في الإخبار عنه.
و قوله تعالى: «وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا» [٢] يقوّي القول بأنّ الصراط جسر على جهنّم و أنّ الكلّ يمرّون عليه. فأمّا المثاب فيردها، أي يمرّ على جسرها ليرى ما اعدّ فيها لأهل العذاب، فتعوّذ باللّه من ذلك، و يحمد اللّه تعالى على الخلاص منها و يجتاز سالما. و أمّا المعاقب فيمرّ عليه خائفا قلقا، فإذا سامت مكانه من جهنّم سقط منه فيها.
[سقوط التكليف عن أهل الآخرة]
و اعلم إنّ أهل الآخرة ليسوا بمكلّفين بالإجماع، و في المثابين دليل آخر و هو أنّ من شأن الثواب أن يكون خالصا من المشاق، و في امتثال التكليف مشقّة.
و أيضا فلو كانوا مكلّفين لما امتنع أن يقع منهم التوبة فيسقط عقابهم بها، و ذلك غير جائز. و بعد فانّ الإجماع مانع من استحقاق ثواب أو عقاب في الآخرة، فتحقّق أنّ التكليف زائل عنهم.
فإن قيل: أ ليس تعالى يأمرهم بالأكل و الشرب في قوله: «كُلُوا وَ اشْرَبُوا» [٣].
قلنا: ذلك ليس بأمر، بل هو إباحة محضة، و في الناس من يقول: إنّه امر، و لكنّه ليس بتكليف، لارتفاع المشقّة عنهم، و فائدته الزيادة في فرحهم و سرورهم، كالضيف إذا علم أنّ مضيّفه يريد منه تناول ما أعدّ له من الطعام و الشراب، فأمّا شكرهم لنعم اللّه تعالى، فما يرجع منه إلى العلوم و العقائد، فاللّه
[١] م: اليسير.
[٢] مريم: ٧١.
[٣] البقرة: ٦٠.