المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣٠
إقداما و احجاما لما استحقّ عليها ثوابا، و إن استحقّ المدح و لو لم يؤثّر فعل القبيح و الاخلال بالواجب الذمّ دون العقاب. فكلّ هذا يكشف عن أنّ جهة الاستحقاق مختلفة.
فإن قالوا: المشقّة شرط في استحقاق الثواب، و ليس بوجه فيه، و إنّما وجه استحقاق الثواب هو بعينه وجه استحقاق المدح. و كذلك إيثار المكلّف فعل القبيح و الإخلال بالواجب على ما فيه حظّه و نفعه شرط في استحقاق العقاب و ليس بوجه فيه و إنّما الوجه في استحقاق العقاب هو الوجه في استحقاق الذمّ بعينه من فعل القبيح أو الإخلال بالواجب.
قلنا: أوّل ما نقوله على كلامكم هذا أنّ ما ذكرتموه ليس بأولى من عكسه. و هو أن يجعل ما جعلتموه شرطا وجها، و ما جعلتموه وجها شرطا، إذ لا بدّ من مجموع الأمرين.
ثمّ نقول: إذا جاز أن يختلف الشرط في استحقاق المدح و الثواب و الذمّ و العقاب، فهلّا جاز أن يختلفا في الدوام و الانقطاع، و يجري اختلافهما في الشرط مجرى اختلافهما في الوجه.
ثمّ يقال لهم: و لم يجب، إذا تساويا في الوجه و الشرط على تسليم ذلك جدلا، أن يتساويا في الدوام؟ أ ليس مع تساويهما في ذلك اختلفا في الجنس؟
إذ ليس المدح من جنس الثواب، و لا الذمّ من جنس العقاب؟ و لا كلّ من استحقّ عليه أحدهما استحقّ الآخر عليه؟ فإذا جاز اختلافهما فيما ذكرناه فهلّا جاز اختلافهما في الدوام و الانقطاع.
و أمّا قولهم: إنّ ما أزال أحدهما أزال الآخر، فأوّل ما فيه أنّا لا نقول: إنّه يزيلهما شيء بعد الاستقرار. ثمّ و لو سلّمنا ذلك أيضا تسليم الجدل، أ ليس مع اتّفاقهما في ذلك قد اختلفا في الوجوه التي ذكرناها؟ فهلّا جاز أن يختلفا في الدوام و الانقطاع.