المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٨٣
العصاة، و طريق معرفة وجوبها، و أنّه السمع دون العقل، ثمّ نذكر سقوط العقاب عندها، و أنّه تفضّل منه تعالى لا وجوب فيه و لا تحتّم، و أنّ طريق ذلك أيضا السمع.
أمّا حقيقة التوبة:
فهي الندم على القبيح لقبحه، و العزم على أن لا يعود إلى مثله.
و عزم العاصي على أن لا يعود الى مثله إنّما هو كراهته لفعل مثله. هذا هو التوبة عن القبيح.
و أمّا التوبة عن الإخلال بالواجب: فهي الندم على الإخلال بالواجب لكونه إخلالا بالواجب، و العزم على أن لا يخلّ بالواجب في المستقبل. و هذا العزم إنّما هو عزم على أداء الواجبات في المستقبل. و انّما قلنا إنّ ما ذكرناه حقيقة التوبة، لأنّ التوبة هي الإنابة و الرجوع، و لا يتصوّر رجوع الإنسان عمّا فعله أو أخلّ به إلّا بالندم عليه و العزم على ترك معاودته.
و إنّما اعتبرنا في التوبة عن القبيح أن يكون ندمه عليه لقبحه، و في التوبة عن الإخلال بالواجب أن يكون ندمه عليه لكونه إخلالا بالواجب، من حيث إنّه لو ندم على القبيح لاستضراره به عاجلا- كمن يندم على شرب الخمر لتأذّيه بالخمار أو خوفا من السلطان- لم يكن تائبا. و كذا لو ندم على الإخلال بالواجب خوفا من مضرّة عاجلة لعقوبة سلطان او فوات نفع عاجل لم يكن أيضا تائبا.
و قد اختلف الشيوخ في العزم الذي وصفناه: فقال بعضهم: هو أحد جزئي التوبة، و هذا هو قول أبي هاشم و قال بعضهم: هو شرط فيها حتّى أنّه لو منع من العزم و ندم لكان تائبا. و قال بعضهم: إنّ الندم وحده هو التوبة.
قال صاحب الفائق: و هذا القول عندنا هو الأولى، فان عزم على أنّه يعاود مثلها كشف ذلك على أنّه غير نادم عليها، و إن عزم على أن لا يعاود إلى مثلها أو غيرها من المعاصي كشف عن تأكّد ندمه عليها، و إن لم يعزم على المعاودة و لا