المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٥١
قلنا: قد بيّن تعالى في قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ» [١] أنّه انّما يغفر ما يغفره لمن يشاء و لم يعيّنه، فبذلك يزول الإغراء.
و أمّا الوجه الثاقب في الكلام عليهم فهو أن يقال لهم: إنّكم تشترطون في آيات الوعيد نفي التوبة، و نفي زيادة الثواب، لأنّهما يؤثران في استحقاق العقاب، فهلّا شرطتم أيضا نفي العفو، لأنّه أيضا ممّا يزيل العقاب متى حصل كالتوبة و كثرة الثواب، فتكون الآيات مشروطة بنفي الامور الثلاثة.
فإن قالوا: العقل يقضي بسقوط العقاب بالتوبة و زيادة الثواب، و ليس في العقل ما يدلّ على حصول العفو، بل غاية ما يقتضيه العقل جواز العفو لا حصوله.
قلنا: كما يقضي [٢] العقل بسقوط العقاب بالتوبة و زيادة الثواب، فكذلك يقضي [٣] بسقوطه عند حصول العفو، و كما يجوز في العقل أن يعفو مالك العقاب و يجوز أن لا يعفو، فكذلك يجوز في العقل أن يختار العاصي التوبة و يجوز أن لا يختار. و كذلك القول في عظم الطاعة، فالواجب أن يقابلوا بين الوقوع و الوقوع في العفو و التوبة و كثرة الطاعة و زيادة ثوابها و بين الجواز و الجواز في هذه الامور، فانّهما أعني الوقوع و الوقوع و الجواز و الجواز سيّان لا ترجيح لأحدهما على الآخر.
فإن قلتم: عموم آيات الوعيد يقتضي أنّه تعالى لا يختار العفو.
قلنا: فهلّا دلّ عموم هذه الآيات على أن أحدا لا يختار التوبة و لا طاعة يزيد ثوابها على عقاب معاصيه، لأنّكم انّما تنفون بالظاهر العفو ليسلم وقوع العقاب، و هذا بعينه قائم في التوبة و زيادة الثواب، فيجب أن تقولوا: إن ظواهر عمومات الوعيد يمنع من وقوعها أجمع.
[١] النساء: ٤٨.
[٢] م: يقتضي.
[٣] م: يقتضي.