المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٦١
كلّفنا ما لا طريق لنا إلى معرفته، و ذلك قبيح.
[لزوم وجود الحافظ للشرع] دليل آخر:
و ممّا يدلّ أيضا على وجوب نصب إمام معصوم بعد ورود الشرع ما قد ثبت أن شرع محمّد صلّى اللّه عليه و آله، لازم لجميع أمّته من لدن عصره إلى انقراض التكليف، و أنّ حالنا و حال من يجيء بعدنا من أهل الأعصار المستقبلة حال الصدر الأوّل من المسلمين ممّن عاصر النبيّ عليه السلام في التعبّد بشرعة، و ما هذا حاله لا بدّ له من حافظ موثوق به يحفظه بعد الرسول و يبلغه و يؤدّيه إلى الأخلاف و أهل الأعصار المستقبلة الذين يتعبّدون به، و إلّا لم يثقوا بوصول جميع الشرع إليهم، و يكونون قد كلّفوا ما لا سبيل لهم إلى معرفته، و ذلك قبيح، أو لم يكلّفوا جميع الشرع، و ذلك باطل بالاتفاق، فثبت أنّه لا بدّ من حافظ للشرع.
و إذا ثبت و تقرّر وجوب كون الشرع محفوظا، لم يخل من أن يكون محفوظا بالكتاب أو السنّة المقطوع بها أو بهما جميعا أو بالإجماع أو بأخبار الآحاد أو بالرأي و القياس أو بمعصوم موثوق به على ما نقوله. و لا يمكن المنازع أن يدّعي كون الشرع محفوظا بشيء آخر سوى ما ذكرناه، لأنّه خلاف الإجماع أمّا الكتاب فمعلوم أنّ جميع تفاصيل الشرع ليست مبيّنة فيه فكيف يكون محفوظا به؟ ثمّ الكتاب نفسه لا بدّ له من حافظ أيضا موثوق به يحفظه و يتعيّن عليه حفظه عن التغيير و التبديل، و إلّا لم يؤمن من تطرّق التحريف و التبديل إليه.
و أمّا السنّة المقطوع بها و الإجماع، فمن المعلوم الظاهر أيضا أنّ جميع الشرع ليس مبيّنا فيهما، على أنّ المتواترين فيما تواتروا يجوز أن يعدلوا عن النقل و الرواية تعمّدا أو سهوا إذا لم يكن من ورائهم من يحفظهم، فيؤدّي إلى إخفاء ما تحمّلوه أو الى نقله في الآحاد، و من لا يكون في نقله حجّة، و الإجماع متى لم يشمل على قول معصوم أو فعله أو رضاه لم يكن حجّة، على ما نبيّنه بعد إتمام هذه الطريقة، و أمّا اخبار الآحاد و الرأي و القياس فلم يثبت كونهما حجّة فكيف