المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٥٢
ثمّ و من قاعدتكم في الغيبة جواز أن يفوت الرعيّة لطف الرئاسة بجنايتهم، و بأن يسبّبوا ما يحتاج الرئيس معه الى الغيبة و الاستتار، و يكون اللوم في ذلك متوجّها نحوهم، فهلّا جوّزتم عدم عين الرئيس و تسبيبهم [١] ما لا ينتفعون معه بلطف الرئاسة؟ لأنّهم إذا جنوا و سببوا ما معه لا ينتفعون بالرئيس، فما الفرق بعد ذلك بين غيبة الرئيس و بين عدمه، و انتفاعهم بالرئيس فائت في الوجهين جميعا؟.
فإن قلتم: عدم الرئيس يخلّ بإزاحة علّتهم من جهة اللّه تعالى، و يقتضي أن يفوتهم اللطف من جهته عزّ و جلّ لا بجنايتهم، و ليس كذلك غيبته لأنّهم الذين أحرجوا الإمام إليها و سبّبوا ما معه احتاج الى الاستتار، ففوات لطفهم يكون بجنايتهم، و اللوم إليهم يعود فيه.
قيل لكم: و عدم الإمام انّما يكون بسبب أنّ اللّه تعالى علم من حالهم أنّهم لم يعزموا على طاعة رئيس ينصب لهم و الانقياد له و النزول تحت أمره و نهيه، بل عزموا على البغي و الخروج عليه و إخافته على نفسه، و لو غيّروا هذه الحالة لأوجد اللّه الإمام و لتصرّف فيهم و انتفعوا، فعلى هذا هم الذين فوّتوا [على] [٢] أنفسهم لطف الرئاسة، و اللوم إليهم يرجع، كما أنّ في الغيبة عندكم هم الملومون.
يبيّن ما ذكرنا أنّ غيبة الإمام أيضا من جهة الإمام و من فعله، لا من فعل رعيته، و لكن لمّا كان غيبته بسبب من جهتهم كانت كأنّها من جهتهم، و كان اللوم راجعا إليهم، فكذلك عدمه، و إن لم يكن من جهتهم، إلّا أنّه لمّا كان بسبب من جهتهم صار كأنّه من جهتهم، فكان اللوم راجعا إليهم أيضا، و لا فرق بين السبب في الموضعين و الوجهين في هذه القضيّة، فعلى هذا التقرير جوزوا
[١] م: تسببهم.
[٢] ليس في النسختين.