المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٦٨
واحدة و كذّب بها؟ أ ليس يجب على مذهبكم ان يكون مؤمنا بما تقدّم من إيمانه كافرا يردّ الآية؟ لأنّ ايمانه المتقدّم لا ينتفي برد الآية، و ردّ الآية بالإجماع و ما تقولون أيضا فيمن آمن بعيسى و بقي إلى حين انبعاث نبينا عليه السلام و كذّب به؟ أو ليس يلزم على قولكم أن يكون مؤمنا كافرا؟ فإن قلتم: متى جحد بنبيّنا فلا بدّ أن يكون جاحدا لعيسى قيل لكم: و لم يجب ذلك و الأدلّة مختلفة، فيجوز أن يستدلّ ببعضها، فيعلم به، و يشتبه عليه الآخر.
قلنا: إذا علمنا انّ الرادّ للآية كافر بالإجماع، و كذا المكذّب لنبينا عليه السلام، علمنا أنّه لا إيمان معهما، و أنّ ما تقدّم ممّا أظهراه لم يكن إيمانا على الحقيقة، استدلالا منا بكفرهما المجمع عليه، على أنّه لم يقع منهما الإيمان في حال من الأحوال، و قد استدلّ جماعة من المرجئة على أنّ الطاعات ليست إيمانا بأنّها لو كانت كلّ طاعة إيمانا أو بعض الإيمان لكان كلّ معصية كفرا، و لو كان كلّ ما أمر اللّه به إيمانا لوجب أن يكون كلّ ما نهى منه كفرا، و لو جاز أن يكون في الإيمان ما ليس تركه كفرا لجاز أن يكون في الكفر ما ليس تركه إيمانا، و احتجّوا أيضا بأنّه لو كانت الطاعات كلها إيمانا للزم أن لا يكون أحد كامل الإيمان، لا الأنبياء و لا غيرهم، لأنّهم لم يفعلوا جميع الطاعات، و كذا لو كان جميع المفروضات إيمانا لوجب في الأنبياء الذين أوقعوا الصغائر عند المعتزلة أن لا يكونوا كاملي الإيمان، لأنّهم أخلّوا بفرض و هو الكفّ عن المعصية، و أيضا قال اللّه تعالى: «الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ» [١] فعطف على إيمانهم إن لم يلبسوا إيمانهم بظلم، و الشيء لا يعطف على نفسه، و قال: «الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ» [٢] فأخبر عن أنّهم مؤمنون و إن لم
[١] الأنعام: ٨٢.
[٢] الأنفال: ٧٢.