المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٣٧
الخطّاطين في الخط حتى يحكم بتفضيل بعض خطوطهم على البعض و بما يستحقّه كلّ واحد منهم من الاجرة على ما كتبه و يتقارب ما يتقارب و يتفاوت ما يتفاوت منها، و كذا القول في جميع الصناعات. فأمّا ما ذكره السائل من حكمه فيهم و قطعه للمنازعات و الخصومات الواقعة بينهم في أعمالهم و صناعاتهم، فانّه من امور الدين، لأنّه انّما يحكم فيهم بحكم اللّه الذي يعلمه في مثل تلك الحوادث، و إقامة حكم اللّه من امور الدين، فأمّا تفضيل عمل البعض على البعض و تقديره الاجرة في أعمالهم، فانّه يرجع في أمثال ذلك إلى أهل الخبرة، و لا عليه أكثر من ذلك
فإن قيل: أ ليس بسياسة يأمن الطرق، و يكثر قدوم القوافل على أهل البلاد و جلب الأمتعة إليهم، فيكثر منافعهم، و يسهل عليهم طرق معايشهم، و كلّ هذا من امور الدنيا و منافعها، و كذا يرتفع بالخوف منه و من سياسة الهرج و المرج و التباغي و التظالم من بين الرعيّة فيعيشون في عافية عفوا صفوا، و ذلك أيضا من المنافع المعجّلة الدنياوية؟.
قلنا: بلى بسياسته يحصل جميع هذه المنافع المعجّلة و الأغراض الدنيوية، و لكن تبعا لما هو الغرض الأصلي في انتصابه و هو ارتفاع الظلم و الفساد و التباغي و امتداد أيدي الظلمة الأقوياء إلى أموال الضعفاء المظلومين و نفوسهم، أو تقليل هذه القبائح و المناكير و البعد منها خوفا من تأديبه و سياسته، و كلّ ذلك من امور الدين، ألا ترى أنّ وجه وجوب معرفة اللّه تعالى عند القوم انّما هو كونها وصلة إلى العلم بالثواب و العقاب الذي هو لطف للمكلّفين في مثل ما ذكرناه من ارتفاع القبائح عنده أو تقليلها أو البعد منها و أداء الأمانات و الواجبات أو تكثيرها و القرب منها فيعد ذلك من امور الدنيا، فإن كان معارف التوحيد و العدل من الامور الدنيوية، فيا ليت شعري ما الامور الدينيّة! بلى يحصل عند هذه المعارف أيضا المصالح المعجّلة المشار إليها في السؤال،