المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣٢٩
و امتناعهم من المقبّحات؟.
قلنا: إذا كان ما يختارونه إنّما يختارونه لمكان اللطف الذي فعله تعالى بهم و بدعوته إليه صحّت إضافته إليه تعالى، من حيث إنّه لو لا فعله تعالى بهم من اللطف الذي دعاهم إلى الإتيان بالواجبات و الامتناع من المقبّحات لما أتوا بالواجبات و لما امتنعوا من المقبحات.
و ممّا يدلّ على عصمتها صلوات اللّه عليها ما قاله الرسول عليه السلام في حقّها ممّا هو معروف بين حملة الأخبار و نقلة الأحاديث، مشهور فيما بين الامّة، متلقى بالقبول فيها، من قوله عليه السلام: فاطمة بضعة منّي من آذاها فقد آذاني [١]. و وجه الدلالة من هذا القول أنّه خرج مخرج المنع و النهي من إيذائها، إذ لا يجوز أن يكون القصد به الإخبار عن أنّه يمسّني ما يمسّها من الأذى فحسب من حيث إنّ ذلك معلوم لكلّ أحد بمقتضى البشرية و التحنّن إلى الولد الذي جبلت القلوب عليه، و إذا كان القصد [٢] به المنع من أذاها و النهي عنه، و معلوم أن الذمّ و التوبيخ ممّا يؤذي المذموم و الموبّخ وجب أن يكون ذمّها ممنوعا منه، لدخوله تحت أذاها الذي منع عليه السلام منه، فعند هذا نقول: لا تخلو فاطمة عليها السلام من أن يكون ممّن يأتي بما يستحقّ به الذمّ أو لا تكون ممّن يأتي بذلك، و الأوّل باطل لأنّه لا يجوز عليه- أعني الرسول عليه السلام- أن يمنعنا من ذمّ من يستحقّ الذمّ، و قد بعث آمرا بالمعروف و ناهيا عن المنكر، حاثّا لنا على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، فلم يبق إلّا الثاني و هو أن لا يكون فاطمة ممّن يأتي بما يستحقّ به الذمّ، و هو المقصود. و أيضا فقد ثبت أنّها عليها السلام
[١] ورد هذا الحديث بألفاظ مختلفة و في مصادر كثيرة ذكرها صاحب الغدير: ج ٣ ص ٢٠. منها مسند أحمد: ج ٤ ص ٣٢٨، الاصابة: ج ٤ ص ٣٧٨، الفصول المهمة: ص ١٥٠، نور الأبصار: ص ٤٥.
[٢] م: المقصد.