المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٦٤
غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ ساءَتْ مَصِيراً» [١].
قالوا: توعّد اللّه تعالى على اتّباع غير سبيل المؤمنين، كما توعّد على مشاقّة الرسول، و ذلك يقتضي خطر اتّباع غير سبيل المؤمنين، و خطر اتّباع غير سبيلهم [٢] يقتضي حسن اتّباع سبيلهم، و إذا حسن اتّباع سبيلهم وجب كون سبيلهم حقّا و إلّا لم يحسن اتّباعه. و الاعتراض عليهم فيما ذكروه من وجوه:
منها: أنّه تعالى عطف اتّباع غير سبيل المؤمنين على مشاقّة الرسول بالواو ثمّ عقّبها بالوعيد، فالظاهر يقتضي توجّه الوعيد إلى من يجمع بين الفعلين: مشاقّة الرسول و اتّباع غير سبيل المؤمنين، فمن أين إنّه متوجّه إلى من يتّبع غير سبيل المؤمنين و لم يشاقق الرسول؟ هذا كما إذا قال الأمير: من سلّم عليّ و لم يسلّم على الوزير فأني أضربه و أطرده، فانّ المفهوم من وعيده ذلك توجّهه إلى من جمع بين تسليمه و ترك تسليم الوزير و كونه غير متوجّه إلى من أفرد أحدهما عن الآخر.
فإن قيل: إذا توجّه الوعيد على الفعلين توجّه على كلّ واحد منهما منفردا، إذ لا يجوز في فعلين يحسن كلّ واحد منهما على الانفراد أن يقبحا على الاجتماع، يؤيّد ما ذكرناه و يؤكده أنّ الوعيد متوجه على مشاقّة الرسول وحدها فيجب توجّهه على اتّباع غير سبيل المؤمنين وحده أيضا.
قلنا: الظاهر من العطف يقتضي توجه الوعيد على الفعل على الجمع دون الانفراد، و بيانه ما سبق، و نوضّحه بمثال آخر و هو أنّ القائل إذا قال: من يوادّني و يوادّ عدوي فإنّي أحكم بنفاقه، فأنّا نعلم أنّه انّما يحكم بنفاق من يجمع بين الموادّين يحكم ظاهر كلامه دون من أفراد أحدهما عن الآخر، حتى لو حكم بنفاق من وادّ عدوّه و لم يوادّه أو وادّه و لم يوادّ عدوّه لكان مبطلا لقوله ناقضا.
[١] النساء: ١١٥.
[٢] م: سبيل غيرهم.