المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٣٤
عن كثير من العصاة و ستره عليهم، فلا يتحتّم أن يثبت بين الكلام الذي يتعقّبه وصفه، بأنّه غفور و بين وصفه بذلك مناسبة و ملائمة، بلى يجب و يتحتّم أن لا يكون بينهما منافاة و ما يجري مجرى المنافاة، كأن يوصف بأنّه غفور رحيم عقيب وصفه بأنّه عزيز ذو انتقام و بأنّه شديد العقاب على طريق التعليل لذلك، أي على أن يراد أنّه شديد العقاب لأنّه غفور رحيم، و أنّ كونه غفورا رحيما هو الذي يدعوه إلى شدّة العقاب و الانتقام من العصاة، أو كأن يقرأ غالظ: و السارق و السارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من اللّه و اللّه غفور رحيم، أو: الزانية و الزاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مائة جلدة و لا تأخذكم بهما رأفة في دين اللّه إنّ اللّه غفور رحيم، فأمّا إذا لم يكن فيه التعليل و لم يكن بين الوصفين [١] منافرة، فلا يمتنع أن يوصف بالغفران و بشدة العذاب على طريق الوعد و الوعيد، كما قال تعالى: «نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ* وَ أَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ» [٢].
ثمّ نقول: و أيّ مناسبة أشدّ و آكد ممّا بين الحليم و الغفور، و وجه المناسبة بين الوصفين أنّه لمّا وصف تعالى نفسه بأنّه حليم لا يعجّل بالعقوبة وصفه بالغفور اي: و زائدا على أن لا يعجّل بالعقوبة يسقط العقوبة بالكلّيّة عمّن يشاء، و هذا من أشدّ ما يكون بين الوصفين من المناسبة كقول القائل: إنّ فلانا يمهل غرماءه و لا يتقاضاهم، و زائدا على ذلك يهب لكثير منهم ماله عليهم [٣].
و أمّا استشهاده الثالث، فأبعد من الأوّل و الثاني، و لا أدري من أيّ وجه يدلّ قوله تعالى: «وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ» [٤]، على أنّه أراد بالمغفرة الحلم، و أنّه لا يعجّل عقوبتهم.
[١] م: الموضعين.
[٢] الحجر: ٤٩- ٥٠.
[٣] ج: ماله.
[٤] الرعد: ٦.