المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢١٤
و النشور و الثواب و العقاب و أحوال الآخرة، و انّما يقوى الداعي [١] و يقرّب إلى الطاعة و يبعد عن المعصية بهذا الطريق، فالمكلّف لا يخلو من أحد أمرين: إمّا أن يكون عالما بهذه الامور، و إمّا أن لا يكون عالما بها فإن لم يكن عالما وجب عليه تحصيل العلم بها، إذ هو نفس العلم بالثواب و العقاب الذي قلنا و علمنا أنّه لطف له، و أوجبنا عليه معارف التوحيد ليتوصل بها إلى هذا العلم، و ليس هو أمرا منفصلا عنه زائدا عليه. و إن كان عالما بها و قد أتقنها و حصل على ثقة [٢] منها، فانّه- بأن يحضر هذه المواضع- لا يزداد له شيء معتدّ به لم يكن عنده، و غاية ما يحصل له بذلك تذكّر هذه الامور إن كان ذاهلا، و تذكّر هذه الامور ممّا يجب عليه دائما، فانّه كما يجب عليه تحصيل هذه المعارف كذلك يجب عليه الاستمرار عليها، و ليس كذلك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، لأنّ دعوتهما و صرفهما ليس بطريق تذكير الثواب و العقاب، بل بطريق آخر، فظهر المفارقة بينهما و بين هذه المعارضات.
و قد ذكر أبو الحسين أنّه لا يبعد أن يقال: إنّه يلزم المكلّف إنكار المنكر من جهة العقل، لأنّ فيه دفع مضرّة، من حيث إنّ الإنسان إذا لم يدفع الضرر عن غيره لم يدفع غيره الضرر عنه، و متى دفع عن غيره هذا الضرر دفع عنه غيره إذا هم به، و دفع الضرر عن النفس واجب [٣].
فإن قيل: إنّما يجب دفع الضرر عن النفس إذا كان معلوما أو مظنونا، و لا يعلم الإنسان و لا يغلب على ظنّه أنّه إذا دفع هذا الضرر الذي هو ارتكاب المنكر و الإخلال بالواجب عن الغير دفعه عنه الغير [٤].
قلنا: إنّ صاحب الفائق أجاب عن هذا السؤال بأن قال: إنّا لا نوجب
[١] ج: يقوّي الدواعي.
[٢] م: نفسه.
[٣] لا يوجد لدينا كتاب الغرر.
[٤] جملة «دفعه عنه الغير»: ليس في (م).