المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣٤
فيقال لهم: لا يمتنع عقلا أن يكون مقدار المستحقّ من الثواب مقدارا معيّنا فيه غير أنّه يوصل الى المكلّف في أوقات ممتدّة ليزيد سروره بذلك، و لا يجمع له في وقت واحد، لأنّ الثواب يجب أن يصل إلى المكلّف على أبلغ الوجوه و أسرّها و أنفعها.
و على هذا قلنا: إنّ مستحقّي الثواب يجب أن يكونوا كاملي العقول، ليعلموا أنّهم مثابون معظمون فيزداد بذلك سرورهم، و أوجبنا أيضا فيما يفوتهم من الثواب في دار التكليف و أزمان كونهم في البرزخ أن يوفّر عليهم في أوقات كثيرة و لا يجمع لهم في حالة واحدة، لكيلا ينتقض عليهم بانقطاعه عنهم إذا انقطع.
فعلى هذا، التقسيم الذي أوردتموه غير حاصر، إذ ليس فيه القسم الذي أوردناه على أنّا لا نسلّم أنّه لو جمع الثواب في حالة واحدة لما حسن التكليف إذا كان كثيرا عظيما فما ذكروه دعوى عارية عن الحجّة.
تمسّكوا أيضا بأن قالوا: لو استحقّ الثواب منقطعا لمّا امتنع أن يديم اللّه تعالى التفضّل، و في ذلك زيادة التفضّل على الثواب، و ذلك لا يجوز.
و الجواب عن ذلك أن نقول: الثواب [١] لا يمتاز عن التفضّل و لا ينفصل عنه بالكثرة و القلّة، بل إنّما يبين و يتميّز عنه بمقارنة التعظيم له و خلوّ التفضّل منه، و لهذا يجب في كلّ جزء من الثواب أن ينفصل من كلّ جزء من التفضّل و لا يتصوّر تميزه منه إلّا بما ذكرناه، و لا مدخل للدوام و الانقطاع في ذلك، على أنّه يلزم على ما قالوه قبح إدامة التفضّل لما يكون فيه من مساواته للثواب، و قد اتفقنا على أنّه يحسن إدامة التفضّل، و لا وجه في ذلك إلّا ما قلناه.
و ممّا تمسّكوا أيضا به أن قالوا: لو كان الثواب منقطعا، لأدّى إلى تكدير
[١] قوله: «منقطعا ... الى قوله: الثواب» ليس في (م).