المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٢٥
و قوله: «وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ» [١]. و قوله: «قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً» [٢].
فنقول: هذه الآيات تدلّ على حصول العفو و المغفرة من جهته تعالى.
و وجه دلالة الآية الاولى أنّ تعالى ما نفى غفران الشرك مطلقا و على كلّ حال، بل نفى ان يغفره تفضّلا، فكأنّه قال: لا يغفر أن يشرك به تفضّلا و انّما يغفره استحقاقا، فيجب أن يكون المراد بقوله: «وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ» أنّه يغفره بغير استحقاق، بل بالتفضّل، لأنّه موضوع الكلام الذي يدخله النفي و الإثبات و الأعلى و الأدون أن يخالف الثاني الأوّل، ألا ترى أنّه لا يحسن أن يقول، القائل: أنا لا أركب الى الأمير إلّا إذا دعانى إلى ذلك، و أركب إلى من دونه إذا دعاني إلى الركوب معه. و انّما يحسن أن يقول: و أركب إلى من دونه و إن لم يدعني إلى ذلك. و كذا لا يحسن أن يقول: أنا لا آكل الخبز إلّا على الجوع، و آكل الحلواء إذا جعت. و إنّما يحسن أن يقول: و آكل الحلواء على الشبع. و كذا لا يحسن أن يقول: أنا لا أتفضّل بالكثير من مالي و أعطي القليل منه إذا استحقّ عليّ. و إنّما يحسن أن يقول: أعطي القليل تفضّلا من غير استحقاق عليّ.
فإن قيل: كيف تقولون إنّه تعالى نفى غفران الشرك تفضّلا، و إنّه يغفر الشرك استحقاقا [٣]، و عندكم أنّ الغفران لا يكون مستحقا قطّ، لا بالتوبة و لا بكثرة الطاعة و الثواب، سواء كان غفران الشرك او غيره من المعاصي؟
فكيف يصحّ و يستقيم هذا الاستدلال على قاعدتكم؟.
قلنا: نحن إنّما نعارض بهذه الآيات استدلال الخصم بآيات الوعيد علينا في
[١] الرعد: ٦.
[٢] الزمر: ٥٣.
[٣] م: بالاستحقاق.