المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٢
في ذلك تجويز الاستحقاق و العلم الضروري بذلك يمنع منه التكليف، وجب أن يقبح منه تعالى تكليف المكلّف، لأنّه إنما ينتظم تكليفه بأن يخلق له شهوة القبيح و النفار عن الطاعات، و ذلك يكون إغراء له بالقبيح و الإخلال بالطاعات إن لم يعلمه استحقاق العقاب عليهما على ما زعمتم و لا يمكن إعلامه ذلك في المدّة التي هي زمان مهلة النظر، و لا يمكن تكليفه بدون إغرائه بالقبيح و الإخلال بالواجب في مهلة النظر، و ذلك قبيح، و ما لا يتمّ إلّا بالقبيح قبيح [١].
ثمّ يقال لهم: إن حسن تكليفه و لم يكن مغرى بالقبيح و الإخلال بالواجب في زمان مهلة النظر مع فقد علمه باستحقاق العقاب، من جهه أنّ العلم الضروريّ بذلك يمنع من التكليف و الاستدلال لا يمكن تحصيله في ذلك الزمان، فكذلك يحسن تكليفه من دون إعلامه استحقاق العقاب في المدّة التي باعتبارها يتمكّن من معرفة صحّة السمع، لأنّ بدون تلك المدّة لا يتمكّن من العلم الاستدلاليّ باستحقاق العقاب، لأنّ العقل خال من الدلالة على ذلك، فإن كان فقد الإمكان من العلم الاستدلاليّ بذلك عذرا لكم في ذلك، فليكن عذرا لنا فيه، إذ الإمكان منه لا يحصل من دون العلم بصحّة السمع.
فإن قالوا: في العقل طريق إلى العلم بذلك.
قلنا: و ما ذلك الطريق؟ بيّنوه، و لن يجدوه، فإن رجعوا إلى الطريقة الاولى أو إلى طريقة اخرى كان ذلك انتقالا عن هذه الطريقة، و إن رجعوا إلى هذه الطريقة كانوا قد صحّحوا الدليل بنفسه و بنوه على نفسه، و هو فاسد بلا خلاف.
فإن قالوا: هذا لا يكون تصحيحا للدليل بنفسه [٢]، و إنّما يكون توصّلا
[١] م: يقبح.
[٢] «بنفسه» ليس في (ج).