المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣٢
و الجواب عن ذلك: أنّا لا نسلّم أنّ الوجه في دوام المدح و الذّم ما ذكروه، إذ هو غير صحيح. ألا ترى أنّ المطيع بفعل ما ندب إليه من الإحسان و غيره و إن لم يبطل ما فعله يندم عليه و لا بمعصيته يزيد عقابها على ثواب فعله ذلك.
فانّه إذا عزم أن لا يفعل مثله بعد ذلك لاستقراره به عاجلا يخرج بهذا العزم من أن يكون في الحكم كأنّه فاعل له أبدا. و مع ذلك فانّه يستحقّ المدح على ما فعله دائما.
و لا يمكن أن يقال: إنّ عزمه على ذلك يكون معصية كبيرة فيحبط بها عمله، لأنّ العزم على أن لا يفعل ما ندب إليه في المستقبل، لا لحسنه، بل لأنّه يستضرّ به عاجلا، لا يكون قبيحا. و كذلك فاعل القبيح و إن لم يندم عليه و لم يكفّره بما ثوابه يزيد على عقابه. فانّه إذا عزم على أن لا يعود إلى مثله لاستفراره به عاجلا، كشارب الخمر إذا ترك شربها لتأذّيه بالخمار، لا لقبح شربها، يخرج بذلك العزم من أن يكون في الحكم كأنه فاعله أبدا. و مع ذلك يستحقّ الذمّ على ما فعله دائما.
و لا يمكن أن يقال: إنّ عزمه ذلك يكون طاعة يزيد ثوابها على عقاب ذلك القبيح، لأنّ العزم على ترك القبيح لا لقبحه، بل لما يكون فيه من المضرّة العاجلة لا يكون طاعة، فبطل تعليلهم هذا.
و قولهم: إنّ المطيع إنّما استحقّ المدح دائما، لأنّه إذا لم يحبط طاعته فإنّه في الحكم كأنّه فاعلها أبدا، و أنّ العاصي انّما استحقّ الذمّ دائما من حيث إنّه إذا لم يبطل معصيته بتوبة أو طاعة يزيد ثوابها على عقاب معصيته فكأنّه فاعل لتلك المعصية دائما. و إذا بطل ذلك بطل ما بنوا عليه من دوام استحقاق الثواب و العقاب.
ثمّ يقال لهم: هذا الذي ذكرتموه مقدّر، و التحقيق فيه بخلاف ما قلتموه و ذلك لأنّه في التحقيق ما فعل المطيع الطاعة إلّا في أوقات يسيرة. و كذا