المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٥٤
فأمّا ما ذكروه في خطاب أحدنا و وعيده فانّما كان كذلك لأنّه لا يطّلع الّا على ما يتعلّق به و يكون عازما عليه، دون ما يتعلّق بغيره فانّه لا اطلاع له على ذلك، فلهذا يدلّ على ما يختاره هو أو لا يختاره، و لا يدلّ على ما يختاره غيره أو لا يختاره، بخلاف القديم تعالى، لأنّه عالم لذاته بجميع ما يصحّ أن يعلم، فيطّلع على ما يكون من غيره و ما لا يكون، كاطّلاعه على ما يكون في مقدوره و متعلّقا به، فعموم وعيده لو دلّ على ارتفاع ما هو جائز من جهته فليدلّ على ارتفاع ما هو جائز من غيره، على أنّ خطابه تعالى عندهم قد دلّ في مواضع على ارتفاع ما هو جائز من المكلّف، لأنّهم يقولون إنّ الآيات الواردة بقطع السرّاق و جلد الزناة على سبيل العقوبة و الجزاء و النكال يقتضي ظاهرها و عمومها أنّ أحدا من المكلّفين لا يختار في مدّة عمره من الطاعات ما يزيد ثوابه على عقاب هذه المعاصي التي سمّوها كبائر، فكيف يصحّ أن يقولوا انّ خطابه تعالى لا يدلّ على رفع الجائز و وقوعه عن المكلّف، قالوا: لو أسقط اللّه تعالى العقاب لم يخل من أن يسقطه قبل وقوع المعصية، أو في حالها، أو بعدها، و لا يجوز أن يسقطه قبل وقوعها، و لا في حال وقوعها، لأنّ الإسقاط نوع من التصرّف، فانّما يصحّ الإسقاط إذا صحّ الاستيفاء، و إذا لم يحسن الاستيفاء في هذين الحالين لكونه ظلما لم يجز الاسقاط لأنّه تابع لصحّة الاستيفاء [١] و المطالبة كسائر الحقوق التي متى صحّ إسقاطها صحّ استيفائها، و متى لم يصحّ استيفائها لم يصحّ إسقاطها، و إن أسقطه بعد وقوع المعصية فذلك باطل أيضا، بما قد علمنا أنّه لا أحد من المكلّفين يسرق و يصرّ عليه و لا يتوب منه، إلّا و يقطع على سبيل الجزاء و النكال، و كذلك لا زاني مصرّ منهم إلّا و يجلد على سبيل العقوبة، و هذا معلوم بالإجماع، فلو جاز العفو عن صاحب الكبيرة لبطل هذا الإجماع.
[١] جملة «لأنّه تابع لصحة الاستيفاء» سقط في (م).